تونس 30°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

المغرب والحوار الحضاري: ريادة ثقافية في زمن الأزمات.

بقلم: د. خالد التوزاني

في عالم تزداد فيه خطابات الكراهية والتطرف، يبرز المغرب كنموذج حضاري متفرد، استطاع أن يؤسس لتجربة إنسانية راقية في الحوار والتعايش، قوامها الاعتدال والانفتاح. وبمناسبة اليوم الدولي للحوار بين الحضارات (10 يونيو)، يصبح من الضروري تسليط الضوء على هذه التجربة، وفهم مؤهلات المغرب الثقافية ومكانته الجيوسياسية التي أهلته للعب دور ريادي في تعزيز السلم العالمي.

منذ عقود، لم يكن المغرب مجرد جغرافيا تلتقي فيها القارات، بل فضاء حيّ للتلاقح الحضاري والتعدد الثقافي. من الفينيقيين إلى الأندلسيين، ومن الأمازيغ إلى المهاجرين المعاصرين، شكّلت هذه الأرض نقطة التقاء وتعايش بين شعوب وثقافات متعددة. هذا التراكم الحضاري، الذي تجلى في غنى التراث المغربي ومرونته، كان أساساً لهوية مغربية متماسكة، تدين بثوابتها لإمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.

لم تأتِ ريادة المغرب في مجال الحوار من فراغ. فقد تفاعلت عوامل عديدة لصياغة هذا النموذج: التاريخ الإمبراطوري، الامتداد الروحي، التعدد الديني والثقافي، الموقع الجغرافي، ووضوح الرؤية السياسية والدينية. وجاءت احتضان مدينة فاس للمنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات سنة 2022 ليعكس هذا الدور بوضوح، حيث أشاد ممثل الأمم المتحدة بالنهج المغربي في نشر قيم السلام والاحترام المتبادل.

لقد اختار المغرب موقع الحياد الحكيم في القضايا الدولية المعقدة، وفضّل الحلول السلمية على الاصطفافات، مما عزز مصداقيته كوسيط نزيه وشريك حضاري موثوق. وهو موقف يتطلب جرأة سياسية ورؤية استراتيجية، خاصة في سياق إقليمي مضطرب تتصاعد فيه النزاعات والصراعات الجيوسياسية.

غير أن هذا الخيار لا يخلو من تحديات. فالموقع الجغرافي القريب من بؤر التوتر في الساحل والصحراء، والهجرة غير النظامية، وتنامي الإسلاموفوبيا في الغرب، كلها ضغوط تُحاول اختزال المغرب في “هويته الإسلامية” وإغفال تعدده العميق. كما أن تصاعد التنافس الدولي بين قوى إقليمية يجعل من الصعب الحفاظ على التوازن دون أن يتأثر الحضور المغربي.

ومع ذلك، يواصل المغرب تقديم تجربته كنموذج بديل، ليس فقط في المجال الثقافي والديني، بل أيضاً من خلال مؤسسات فعالة مثل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ومتاحف الذاكرة المشتركة، ورعاية الجاليات بالخارج. هذه السياسات الثقافية ليست ترفاً، بل أدوات استراتيجية لبناء مجتمع متماسك داخلياً ومنفتح عالمياً.

في مواجهة التطرّف والعنف، يطرح المغرب بديلاً حضارياً يتكئ على ثقافته العريقة ودبلوماسيته الهادئة، ويؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا تهديد. إنه نموذج قابل للتصدير، لا يسعى لفرض نفسه، بل يقدم نفسه كرسالة سلام، كما عبّر عنها الملك محمد السادس من خلال دعم مبادرات مدن التسامح، والتعاون جنوب جنوب، واحتضان الفعاليات الثقافية والفنية والرياضية العالمية.

في زمن يتخبط فيه العالم في متاهات الانقسام، يقدّم المغرب للعالم درساً في كيفية تحويل التعدد إلى مصدر استقرار، واستخدام التاريخ لاجتراح مستقبل أكثر إنسانية. ومن هنا، فإن الحوار الحضاري لم يعد خياراً فكرياً فحسب، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، والمغرب اليوم يجسّد هذه الضرورة بامتياز.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية