بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
مايزال الاحتقان الطائفي والمذهبي يتسلل إلى شرايين مجتمعاتنا، كلما اعتلى المنابر من يرفع راية ” الحق الإلهي ” ليُقصي بها المختلف، أو كلما تحوّل النقاش الديني إلى وقود لحروب الهوية.
إن ما نشهده من صدامات فكرية ومذهبية ليس إلا انعكاسا لعطب أعمق: استغلال الدين أداة للصراع على النفوذ، وتحويله إلى وسيلة لضبط الولاءات وتقسيم الناس.
حين يزجّ بالإيمان في ميدان السياسة، يتحوّل التنوّع إلى تهديد، والاختلاف إلى خيانة، والضمير إلى منطقة مراقبة.
وهنا، لا يخسر الدين فقط صفاءه، بل تفقد الدولة توازنها وتتحول إلى حارس لمعتقد لا مواطن.
نحن لا ندعو إلى قطيعة مع الإيمان، بل إلى استعادته من براثن التوظيف السياسي.
الدين مكانه الضمير، لا دهاليز القرار. هو مساحة حرّة تنبع من القلب، لا من خطاب رسمي أو فتوى رسمية.
لا بدّ أن نؤسس لدولة مدنية، تحكم باسم الحقوق لا المعتقدات، وتبني شرعيتها على كرامة الإنسان، لا على مزاج الطائفة.
الحرية الدينية لا تعني محو الفروق بين الناس، بل احترامها.
لا تُضعف الدين، بل تحميه من أن يُهدر في سوق الدعاية والشعبوية. حين ينفصل الدين عن الدولة، لا يُقصى أحدهما، بل يُحصَّن كلاهما : فالدولة تُعنى بشؤون البشر، والدين يهتمّ بوجدانهم.
كم من مرة استُدعي اسم الله لتبرير الاستبداد، أو رُفعت شعارات السماء لتمزيق الأرض.
لقد أُهين المقدّس حين حُمِّل ما لا طاقة له به، واغتيل العدل حين طُوِّع باسم ” الشرعية الإلهية “؟. فلا العدل تحقق، ولا الإيمان نجا.
فلنتوقف عن تغذية الهويات القاتلة، ولنعمل على صياغة فضاء عمومي مشترك، لا يُقاس فيه الناس بطقوسهم، بل بقدرتهم على الإسهام في الخير العام. فضاء تُبنى فيه السياسات بالعقل، لا بالعقيدة ، وتُصاغ فيه القرارات لمصلحة البشر، لا بحسب تصنيفاتهم الماورائية.
إننا بحاجة إلى تمرين جماعي على ” العيش المشترك ” ، نُنقّي فيه الدين من الحسابات، ونحرر الحرية من الابتذال.
ففي دولة تَصون ضمير الفرد، وتكفل له الحق في أن يؤمن أو لا يؤمن، فقط هناك تنشأ المواطنة الحقيقية.
وحينها، يعود الدين دينا… لا سلطة.


