تونس 15°C

19 فيفري 2026

تونس 38°C

19 فيفري 2026

الجنوب اليمني : طريق الاستقرار يبدأ من الحوار والشرعية .

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث ، تتقدّم الجهود السعودية الداعمة للاستقرار بوصفها عنصرا حاسما في إعادة ضبط المسار السياسي والأمني للبلاد.
فالمبادرة الداعية إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض لا تمثّل مجرّد تحرّك دبلوماسي ، بل تعكس قناعة راسخة بأن الأزمات المركّبة لا تُحلّ بالقوة ، وأن الاستقرار الحقيقي لا يولد إلا من رحم الحوار الشامل والمسؤول.
الرياض، وهي ترعى هذا المسار، لم تكتفِ بالترحيب بالمبادرة من حيث الشكل ، بل وضعت إطارا سياسيا واضحا لمفهوم الشرعية ، مؤكّدة أن أي معالجة للقضية الجنوبية يجب أن تتم داخل الإطار الدستوري والقانوني للدولة اليمنية ، مع ضمان مشاركة عادلة ومتوازنة لكل المكوّنات.
هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية أعمق ، مفادها أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن الخليج والمنطقة ، وأن أي اختلال في توازنه سيترك تداعياته على الجميع.
ميدانيا ، تتقاطع هذه الرؤية مع تحرّكات الحكومة الشرعية التي حقّقت تقدّمًا ملموسًا في محافظتي حضرموت وشبوة، في ظلّ تنامٍ ملحوظ في التأييد الشعبي . فقد بدأ المجتمع المحلي يُبدي رفضًا متزايدا للانخراط في مشاريع مسلّحة خارج مؤسسات الدولة، مفضّلًا منطق الشرعية والأمن المنضبط بالقانون .
هذا التحوّل في المزاج العام لا يقلّ أهمية عن الإنجازات العسكرية ، لأنه يؤسّس لاستقرار طويل الأمد يقوم على القبول المجتمعي، لا على فرض الأمر الواقع.
وفي هذا الإطار، يبرز دور السلطات المحلية ، وفي مقدّمتها المحافظون ، كنموذج لإدارة رشيدة تتعامل مع القضايا الأمنية والسياسية بعقلية الشراكة لا الإقصاء ، وتحصر استخدام القوة ضمن الأطر القانونية .
كما يؤكّد التنسيق القائم بين هذه السلطات وقوات التحالف أن حماية السلم الأهلي لا تتحقّق بتعدّد مراكز النفوذ ، بل بتوحيد القرار الأمني واحترام مؤسسات الدولة.
ويأتي تقدّم قوات ” درع الوطن ” باتجاه ساحل حضرموت ، بالتنسيق مع حلف القبائل، ليعكس مقاربة أمنية متوازنة تجمع بين الشرعية النظامية والاحتضان الاجتماعي .
هذه المقاربة تمنح الاستقرار بُعدًا عمليًا وواقعيًا، بعيدًا عن المغامرات العسكرية التي أثبتت التجربة كلفتها الباهظة على المجتمع والدولة معًا.
إن ” مؤتمر الرياض ” المرتقب يمثّل اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الأطراف اليمنية للانتقال من منطق التصعيد إلى منطق الحوار، ولفتح المجال أمام مشاركة مسؤولة لكل المكوّنات ، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن رؤية وطنية جامعة .
فالمستقبل السياسي للجنوب لن يُبنى خارج إطار الدولة ، ومع الدعم السعودي الواضح للشرعية ، تتبلور ملامح مسار أكثر توازنا وواقعية نحو تحقيق الأمن والاستقرار، ليس في الجنوب وحده، بل في اليمن ككل.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية