بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث ، تتقدّم الجهود السعودية الداعمة للاستقرار بوصفها عنصرا حاسما في إعادة ضبط المسار السياسي والأمني للبلاد.
فالمبادرة الداعية إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض لا تمثّل مجرّد تحرّك دبلوماسي ، بل تعكس قناعة راسخة بأن الأزمات المركّبة لا تُحلّ بالقوة ، وأن الاستقرار الحقيقي لا يولد إلا من رحم الحوار الشامل والمسؤول.
الرياض، وهي ترعى هذا المسار، لم تكتفِ بالترحيب بالمبادرة من حيث الشكل ، بل وضعت إطارا سياسيا واضحا لمفهوم الشرعية ، مؤكّدة أن أي معالجة للقضية الجنوبية يجب أن تتم داخل الإطار الدستوري والقانوني للدولة اليمنية ، مع ضمان مشاركة عادلة ومتوازنة لكل المكوّنات.
هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية أعمق ، مفادها أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن الخليج والمنطقة ، وأن أي اختلال في توازنه سيترك تداعياته على الجميع.
ميدانيا ، تتقاطع هذه الرؤية مع تحرّكات الحكومة الشرعية التي حقّقت تقدّمًا ملموسًا في محافظتي حضرموت وشبوة، في ظلّ تنامٍ ملحوظ في التأييد الشعبي . فقد بدأ المجتمع المحلي يُبدي رفضًا متزايدا للانخراط في مشاريع مسلّحة خارج مؤسسات الدولة، مفضّلًا منطق الشرعية والأمن المنضبط بالقانون .
هذا التحوّل في المزاج العام لا يقلّ أهمية عن الإنجازات العسكرية ، لأنه يؤسّس لاستقرار طويل الأمد يقوم على القبول المجتمعي، لا على فرض الأمر الواقع.
وفي هذا الإطار، يبرز دور السلطات المحلية ، وفي مقدّمتها المحافظون ، كنموذج لإدارة رشيدة تتعامل مع القضايا الأمنية والسياسية بعقلية الشراكة لا الإقصاء ، وتحصر استخدام القوة ضمن الأطر القانونية .
كما يؤكّد التنسيق القائم بين هذه السلطات وقوات التحالف أن حماية السلم الأهلي لا تتحقّق بتعدّد مراكز النفوذ ، بل بتوحيد القرار الأمني واحترام مؤسسات الدولة.
ويأتي تقدّم قوات ” درع الوطن ” باتجاه ساحل حضرموت ، بالتنسيق مع حلف القبائل، ليعكس مقاربة أمنية متوازنة تجمع بين الشرعية النظامية والاحتضان الاجتماعي .
هذه المقاربة تمنح الاستقرار بُعدًا عمليًا وواقعيًا، بعيدًا عن المغامرات العسكرية التي أثبتت التجربة كلفتها الباهظة على المجتمع والدولة معًا.
إن ” مؤتمر الرياض ” المرتقب يمثّل اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الأطراف اليمنية للانتقال من منطق التصعيد إلى منطق الحوار، ولفتح المجال أمام مشاركة مسؤولة لكل المكوّنات ، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن رؤية وطنية جامعة .
فالمستقبل السياسي للجنوب لن يُبنى خارج إطار الدولة ، ومع الدعم السعودي الواضح للشرعية ، تتبلور ملامح مسار أكثر توازنا وواقعية نحو تحقيق الأمن والاستقرار، ليس في الجنوب وحده، بل في اليمن ككل.



