بقلم – ابوبكر الصغير .
في قلب الحوزة الشيعية، حيث تصاغ العقول، وتروى الأرواح من منابع العقيدة، تسلل رجل بهيئة ورعة، بوجه مطمئن، بصوت خافت كالتقوى، وبعمامة سوداء تثير في النفوس مهابة العلماء.
لم يكن أحد ليتخيل أن ” الشيخ إمامي الهادي ” ، كما عُرف لسنوات ما هو إلا شبح زرعه الموساد الإسرائيلي في خاصرة إيران، وتحديدا في أقدس دوائرها : الحوزات العلمية في قم.
خمسة عشر عاما، كان فيها هذا الجاسوس واسمه الحقيقي ” شمعون ديرافي ” يؤمّ الناس في الصلاة، يتصدر المجالس، يفتي في قضايا الأمة، يناقش العقائد، ويبكي خلفه المصلون خاشعين.
كيف لا، وهو الذي لبس عباءة الورع، ورفع راية ” المهدي المنتظر ” عنوانا لخداعه؟! .
لم يكن اختراقا لجهاز أمن أو وحدة عسكرية، بل كان اختراقا للروح والعقل.
نجح الموساد ، عبر آية الله ديرافي في النفاذ إلى صلب النسيج الديني الإيراني، داخل الحوزة التي لطالما اعتُبرت صمام أمان عقائدي واجتماعي للجمهورية الإسلامية.
ولم يكن مجرد عابر في الحوزات، بل تربع على المنابر، تزوج إيرانية، وربط علاقات وثيقة برجال السياسة والأمن، وصار له قناة يوتيوب يتابعه فيها مائات الآلاف من المريدين، يعظهم بكلمات مسمومة ملفوفة بورق الدين.
انكشاف ” آية الله الجاسوس ” لم يكن مجرد عملية أمنية ناجحة، بل هزّة أخلاقية وعقائدية وأمنية لا سابقة لها. أن يتحول منبر الفتوى إلى منبر تجسس، وأن يتحول الإمام إلى ضابط موساد، فذاك أقسى صور الخيانة، وأعمق اختراق أمني عرفته إيران في تاريخها الحديث.
ما بعد الفضيحة، لم يكن كالسابق. فبأوامر مباشرة من المرشد الأعلى علي خامنئي، انطلقت عملية إعادة هيكلة الحوزات العلمية في قم وغيرها، في محاولة لاحتواء الفضيحة واستعادة الثقة.
هذه الحادثة ليست شأنا إيرانيا فحسب، بل رسالة مدوية لكل دولة، لكل طائفة، لكل جماعة. رسالة تقول:
لا تغرنّكم العمائم، ولا تخدعكم اللحى، ولا تنومكم الأصوات الخاشعة.
الجواسيس لا يأتون بالخوذات العسكرية فقط، بل بالكتب والفتاوى، بالشعارات الدينية، وبأقنعة الإيمان.
في زمن تتشابك فيه المخابرات مع الدين ، والعقائد مع المصالح، لم يعد أحد بمأمن من الاختراق، حتى لو كان يتعبد في قم أو يدرّس الفقه في النجف أو يكتب عن الجهاد في طهران.
إنّ ما حدث مع ” آية الله شمعون ديرافي ” هو صرخة في وجه السذاجة، وسوط على ظهر الغفلة.
فالثقة العمياء، وفتح الأبواب لكل من يتقن لغة الدين، لم تعد ترفا أخلاقيا، بل صارت ثغرة قاتلة.
وما تسلل هذا الجاسوس سوى نتيجة لسنوات من التقديس غير المشروط، وغياب آليات المحاسبة داخل المؤسسات الدينية.
في النهاية، من يحرس الحارس؟
ومن يراقب الإمام؟
ومن يُحصّن العقول قبل أن تُسرق الأرواح من داخلها؟


