ٍبقلم : أبوبكر الصغير .
في عالم مضطرب تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه موازين القوى بسرعة مذهلة ، لا تستطيع الدول أن تنتصر فقط بقوة السلاح أو حجم الاقتصاد ، بل تحتاج قبل كل شيء إلى قيادة تمتلك الرؤية وبعد النظر والحكمة .
وهذا ما جسده الملك محمد السادس ، الذي قاد المغرب بهدوء وثبات نحو واحدة من أهم النجاحات الدبلوماسية في تاريخه المعاصر .
لقد استطاعت الدبلوماسية المغربية ، بقيادة الملك محمد السادس ، أن تحقق اختراقات استراتيجية كبرى في ملف الصحراء المغربية ، وأن تنقل القضية من دائرة التجاذبات التقليدية إلى فضاء الاعتراف الدولي الواسع بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحلّ الأمثل الجاد و الواقعي وذو مصداقية لإنهاء نزاع طال أمده .
ولم يكن هذا النجاح المغربي وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية ملكية حكيمة بعيدة المدى قامت على الصبر والعمل الدؤوب والانفتاح على العالم، بعيدا عن منطق الانفعال والمواجهة العقيمة .
لقد اختار الملك محمد السادس أن يجعل من الدبلوماسية جسرا لبناء الثقة ، وأن يقدم المغرب كقوة إقليمية مستقرة ، تؤمن بالحوار والتنمية والشراكات المتوازنة .
ومن أبرز تجليات هذا النجاح الدبلوماسي ، تزايد عدد الدول التي افتتحت قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة ، في خطوة لا تحمل فقط أبعادا رمزية ، بل تعكس اعترافا عمليا وقانونيا بمغربية الصحراء وتؤكد الثقة الدولية المتنامية في الرؤية المغربية .
كما عزز المغرب ، بفضل القيادة الملكية ، حضوره الإفريقي بصورة لافتة ، إذ تحولت عودته إلى الاتحاد الإفريقي إلى قصة نجاح دبلوماسية حقيقية ، وأصبح فاعلا محوريا في دعم الأمن والاستقرار والتنمية داخل القارة . ولم يكتفِ المغرب بالخطاب السياسي ، بل قدم مشاريع استراتيجية كبرى ، على غرار مشروع أنبوب الغاز المغربي – النيجيري ، الذي يجسد روح التعاون جنوب – جنوب ويؤسس لمستقبل اقتصادي مشترك بين الشعوب الإفريقية .
إن ما حققه المغرب في السنوات الأخيرة ليس مجرد مكسب دبلوماسي عابر ، بل هو درس في فن القيادة الهادئة التي تراهن على الزمن وعلى العمل المتواصل وعلى قوة الإقناع . فالدول الكبيرة لا تصنع مكانتها بالصخب ، بل بالحكمة والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص والانتصارات إلى مشاريع للمستقبل .
لقد أثبت الملك محمد السادس أن الحكمة السياسية يمكن أن تكون أقوى من الأزمات ، وأن الرؤية الواضحة قادرة على كسب احترام العالم وحشد دعمه .
وهكذا يواصل المغرب ، بقيادة ملكه ، كتابة صفحة جديدة من تاريخه الدبلوماسي ، عنوانها الثبات ، وركيزتها الشرعية ، وغايتها بناء مستقبل يسوده الاستقرار والتنمية والسلام .


