ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
هناك أيام لا تمر في حياة الشعوب مرور التاريخ العادي ، بل تتحول إلى لحظات قدرية تعيد رسم المصير وتفتح أبوابا جديدة للمستقبل .
ومن بين هذه الأيام يظل الثلاثون من يونيو واحدا من أكثر التواريخ حضورا في الوجدان المصري والعربي ، لأنه لم يكن مجرد حدث سياسي أو حراك شعبي عابر ، بل كان لحظة انتفض فيها شعب عريق ليقول إن الدولة ليست غنيمة تتنازعها القوى السياسية ، وإنما وطن وهوية ومؤسسات وذاكرة ومستقبل .
في ذلك الصيف الساخن من عام 2013 ، كانت المنطقة العربية تبدو وكأنها تسير نحو المجهول .
دول تنهار ، ومجتمعات تتمزق ، ومدن عربية تتحول إلى ساحات للدمار والاقتتال ، فيما كانت التنظيمات المتطرفة تتقدم فوق أنقاض الدول المنهكة .
وفي قلب هذا المشهد المأساوي ، وقفت مصر أمام اختبار تاريخي لم يكن يتعلق بحكومة أو رئيس أو تيار سياسي ، بل بمصير دولة يزيد عمر حضارتها على سبعة آلاف عام .
لقد شعر المصريون آنذاك أن الخطر أكبر من خلاف سياسي عابر ، وأن المسألة تتعلق بوجود الدولة نفسها .
فخرجت الجماهير بالملايين ، ليس بحثا عن مكسب آني أو انتصار فئوي ، بل دفاعا عن وطن أدركت أنه إذا سقط فلن يسقط وحده ، بل ستسقط معه ركائز التوازن العربي بأسره .
إن عظمة الثلاثين من يونيو تكمن في أنه أعاد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية .
فالدولة ليست مجرد سلطة تتغير بتغير الظروف ، بل هي الحصن الذي يحمي الإنسان من الفوضى ، والسقف الذي يجمع أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت توجهاتهم ، والمؤسسات التي تحفظ الأمن وتصون الحقوق وتؤمن المستقبل . وعندما تهتز الدولة ، يصبح كل شيء معرضا للضياع .
لقد اختارت مصر في تلك اللحظة المصيرية طريق الحفاظ على وحدتها ومؤسساتها ، واختارت أن تواجه العاصفة بدل أن تستسلم لها .
ومن رحم تلك اللحظة الصعبة ، بدأت رحلة استعادة التوازن وإعادة بناء الدولة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي . وخلال السنوات اللاحقة ، أطلقت مصر مشروعات تنموية ضخمة ، ومدت شبكات الطرق ، وشيدت المدن الجديدة ، وطورت بنيتها التحتية ، وعززت قدراتها الاقتصادية والعسكرية ، لتؤكد مرة أخرى أن الأمم الكبيرة قد تتعثر ، لكنها لا تنكسر .
ولم تكن آثار الثلاثين من يونيو مصرية فقط ، لأن مصر لم تكن يوما دولة عادية في محيطها العربي . فحين تستقر مصر ، يطمئن جزء كبير من المنطقة، وحين تكون قوية ، تصبح ركيزة للتوازن والاعتدال وحائط صد في مواجهة الفوضى والإرهاب .
ولذلك كان استقرارها استقرارا للعالم العربي بأسره ، وكان نهوضها رسالة أمل لشعوب أنهكتها الأزمات والحروب .
لقد علمتنا مصر في الثلاثين من يونيو أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها ، ولا تُصان بالنوايا الحسنة فقط ، بل بإرادة الشعوب وتماسك المؤسسات والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الفاصلة . وعلمتنا أيضًا أن الحرية والاستقرار ليسا خصمين ، بل جناحان لا تستطيع الأمم التحليق بدونهما .
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو ، لا يستحضر المصريون حدثا من الماضي فحسب ، بل يستعيدون لحظة رأوا فيها وطنهم يقف على حافة المجهول ثم ينهض بقوة لينقذ نفسه . إنها ذكرى شعب اختار الدولة بدل الفوضى ، والوحدة بدل الانقسام، والمستقبل بدل الضياع .
ولهذا سيبقى الثلاثون من يونيو ، في ذاكرة كثيرين، يوما نهضت فيه مصر لتحمي نفسها … ولتحمي معها أمة بأكملها .

