تونس 33°C

18 جوان 2026

تونس 38°C

18 جوان 2026

الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني : بين منطق التسوية وسؤال الاستسلام التاريخي .

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

لطالما قُدّمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيامها عام 1979 باعتبارها مشروعا سياسيًا يقوم على فكرة رئيسية و هي ” الممانعة ” و مواجهة الغطرسة الغربية ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .
فقد بنت طهران جزءا كبيرا من شرعيتها الداخلية والإقليمية على خطاب ” الموت لأمريكا ” ، وسعت إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية عبر دعم حلفائها ، وتطوير قدراتها العسكرية ، وتوسيع نفوذها من العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن الخ ….
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم : إذا قبلت إيران بشروط أمريكية ، فهل يعني ذلك أنها تخلت عن مشروعها التاريخي ؟ وهل نحن أمام استسلام أم أمام إعادة تموضع سياسي فرضته نتائج الحرب ؟ .
في العلاقات الدولية، لا يكون الاستسلام دائما بالمعنى التقليدي ، أي إعلان الهزيمة والرضوخ الكامل . أحيانا تأتي الدول الكبرى إلى طاولة المفاوضات عندما يصبح استمرار المواجهة أكثر كلفة من تقديم تنازلات محسوبة . وقد تُقدَّم هذه الخطوة تحت عناوين مثل ” التسوية الكبرى ” او ان شئتم ” البراغماتية السياسية ” او حتى ” اعادة ترتيب الاولويات ” ..
لكن، رغم ذلك، فإن قبول إيران بشروط أمريكية جوهرية ، مثل التخلي عن طموحاتها النووية ، أو تقليص دعمها لشبكة حلفائها الإقليميين ، أو التراجع عن استخدام أوراق القوة التي بنت عليها نفوذها ، سيُقرأ حتمًا باعتباره تحولا عميقا يمس جوهر الخطاب الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية .
فالمسألة هنا ليست مجرد اتفاق سياسي ، بل اختبار لهوية دولة تشكلت على فكرة مواجهة الولايات المتحدة .
إن التراجع عن ركائز هذا المشروع لن يكون تنازلا دبلوماسيا عابرا ، بل قد يُنظر إليه باعتباره انتكاسة رمزية وتاريخية لمشروع “ المقاومة ” الذي شكّل أحد أعمدة النظام الإيراني منذ الثورة.
ومن هنا فإن الاتفاق ، إذا جاء نتيجة ضغوط عسكرية و اقتصادية خانقة و حصار بحري ، وعزلة دولية، وتغير في موازين القوى ، قد يطرح تحديا داخليا كبيرًا للنظام .
فالقوى الأكثر تشددا، خصوصا التيارات الثورية وبعض مراكز القوة داخل الدولة ، قد تعتبره تراجعًا ان لم نقل هزيمة امام المبادئ التي رُفعت لعقود .
لكن في المقابل، قد تراهن القيادة الإيرانية على أن أي تسوية ستفتح الباب أمام تخفيف العقوبات ، وإنعاش الاقتصاد ، وجذب الاستثمارات ، ومنح النظام فرصة اخرى لإعادة بناء قوته الداخلية.
غير أن التأثير الأكبر قد يظهر خارج الحدود الإيرانية .
فإذا ارتبط الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني بتراجع طهران عن ملفات النفوذ الإقليمي ، فإن حضورها في لبنان وسوريا والعراق واليمن قد يبدأ بالتقلص تدريجيا. وقد يجد حلفاؤها أنفسهم أمام واقع جديد يعيد رسم موازين القوة في المنطقة .
وهنا يبرز سؤال تاريخي مهم : هل اعتادت إيران على تقديم التنازلات عندما تواجه أزمات كبرى؟ .
التاريخ الإيراني يقدم إجابات معقدة .
ففي الحرب العراقية ـ الإيرانية ( 1980 ـ 1988)، صمدت إيران ثماني سنوات رغم الخسائر الهائلة ، لكنها قبلت في النهاية قرار مجلس الأمن رقم 598 . وقد وصف الإمام آية الله الخميني تلك اللحظة بعبارة شهيرة هي ” تجرع كاس السم ” في إشارة إلى صعوبة القرار ومراراته .
وفي التاريخ الإمبراطوري، عرفت فارس لحظات اضطرّت فيها إلى قبول اتفاقيات قاسية ، كما حدث في معاهدة تركمانچاي عام 1828 مع روسيا القيصرية ، عندما خسرت مناطق واسعة . ومع ذلك، بقيت إيران عبر تاريخها حريصة على الحفاظ على استقلالها السياسي ، حتى عندما اضطرت إلى تقديم تنازلات مؤلمة.
لذلك فإن وصف أي اتفاق محتمل بأنه “ استسلام ” أو “ انتصار دبلوماسي ” يعتمد على زاوية القراءة .
فقد يراه البعض مناورة سياسية لإنقاذ الدولة من ضغوط غير مسبوقة ، بينما يراه آخرون تراجعا عن مشروع أيديولوجي استمر أكثر من أربعة عقود .
فالحد الفاصل بين البراغماتية والتراجع يظل دقيقًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة بنت هويتها على فكرة الصمود والمواجهة .
إيران اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة : إما مواصلة الحرب مهما كانت كلفتها ، أو اختيار تسوية ” بطعم هزيمة ” تفرضها حسابات القوة والواقع . وفي الحالتين، فإن القرار لن يحدد فقط مستقبل النظام الإيراني ، بل قد يكون عاملا حاسما في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط بأكمله .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية