ٍبقلم : ابوبكر الصغير.
بعد مرور مائة يوم على اندلاع حرب إيران ، تجد دول الخليج العربية نفسها أمام مشهد إقليمي ودولي مختلف تماما عمّا كان قبل هذه الأزمة .
لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة ، بل شكلت نقطة تحول عميقة أعادت رسم حسابات الأمن والسياسة و التحالفات في منطقة لطالما كانت في قلب كلّ التوازنات العالمية .
كشفت هذه المرحلة أن أمن الخليج لم يعد ملفا إقليميا محدودا ، بل أصبح جزءا أساسيا من معادلة الأمن الدولي .
فالموقع الاستراتيجي لهذه الدول ، وثقلها الاقتصادي ، ودورها في استقرار أسواق الطاقة العالمية ، جعلها طرفا محوريا في أي رؤية لمستقبل المنطقة .
ورغم حجم التحديات والقلق الذي فرضته الحرب ، فإن ما يبعث على الاطمئنان هو أن دول الخليج الشقيقة تعاملت مع هذه المرحلة بحكمة كبيرة و مسؤولية عالية.
فقد نجحت القيادات في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، والبحرين ، في إدارة هذه الظروف الدقيقة بحنكة ، وحماية شعوبها ، وصون مكتسباتها ، والحفاظ على استقرار مجتمعاتها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية .
أثبتت هذه الدول أنها لا تبني قوتها على ردود الفعل ، بل على رؤية بعيدة المدى ، وعلى مؤسسات راسخة ، واقتصادات قوية ، وبنية تحتية متطورة قادرة على الصمود أمام الأزمات .
لعل أهم درس خرجت به المنطقة بعد هذه الحرب هو أن الأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بالقدرة على مواجهة الخطر ، بل أيضا بقدرة الدولة على الحفاظ على توازنها ، واستمرار التنمية ، وحماية ثقة مواطنيها والمجتمع الدولي بها .
مهما كانت آثار الحرب ، فإن ما هو مؤكد أن دول الخليج ستخرج من هذه المرحلة أكثر قوة وخبرة وصلابة .
لقد بنت خلال العقود الماضية مدنا حديثة، واقتصادات متنوعة ، وشبكات علاقات دولية واسعة ، بالتالي تملك كل القدرة على التعافي بسرعة ، وتحويل الأزمات إلى فرص جديدة لتعزيز مكانتها .
وبمجرد انتهاء الحرب ، أو على الأقل توقف المواجهات المباشرة ، ستؤكد هذه الدول مرة أخرى أنها ليست فقط منطقة ذات أهمية استراتيجية ، بل أنها أيضا واحة للأمن والاستقرار ، وملاذ للثقة في عالم تتزايد فيه الاضطرابات .
لكن المرحلة القادمة ستضع على عاتق دول الخليج مسؤولية أكبر ، مسؤولية حماية أمنه واستقراره ، وتعزيز التعاون بين دوله ، والمساهمة في بناء نظام إقليمي أكثر توازنا ، يقوم على احترام السيادة ، وعدم التدخل ، والحوار بين الدول .
لقد أثبت الخليج أنه قادر فعلا على الصمود عندما تشتد العواصف ، وأن قوة هذه الدول لا تكمن فقط في إمكاناتها المادية ، بل في حكمة قياداتها ، ووحدة شعوبها ، ووعيها بأن السلام والاستقرار هما أعظم مقومات المستقبل .
فبعد مائة يوم من الحرب العدوانية ضدها ، لم يعد الخليج كما كان قبلها … لقد خرج أكثر وعيا ، وأكثر تصميما ، وأكثر إدراكا لحجم دوره في صناعة مستقبل افضل .
ان عظمة الأمم لا تقاس فقط بمدى قدرتها على مواجهة التحديات ، بل بقدرتها كذلك على تحويلها إلى فرص لبناء مستقبل اكثر أمانا و ازدهارا .


