تونس 34°C

8 جوان 2026

تونس 38°C

8 جوان 2026

لبنان يقول كلمته.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تكن التصريحات المتبادلة مؤخرا بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجرد مواجهة دبلوماسية عابرة ، بل عكست تحوّلا أعمق في المشهد اللبناني ، عنوانه الأبرز : استعادة القرار الوطني والتأكيد على أن لبنان ليس ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين .
فخلف لغة المواقف الرسمية ، ظهر صوت لبناني واضح يرفض استمرار التعامل مع البلاد كمنطقة نفوذ أو ورقة في الحسابات الإقليمية ، ويطالب بأن يعود القرار اللبناني إلى مؤسسات الدولة وإلى إرادة الشعب اللبناني وحده .
عندما دعا الرئيس جوزيف عون إيران إلى عدم التدخل في الشأن اللبناني ، لم يكن يتحدث فقط بصفته رئيسا للجمهورية ، بل عبّر عن قناعة متنامية لدى قطاعات واسعة من اللبنانيين الذين دفعوا أثمانا قاسية من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم نتيجة الصراعات الإقليمية التي اتخذت من أرضهم مسرحا لها . كانت الرسالة واضحة : لبنان وطن مستقل ، وأبناؤه هم أصحاب الحق في رسم مستقبله وتحديد خياراته .
وجاء رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سريعا ، إذ نفى وجود أي تدخل إيراني في لبنان ، معتبرا أن تصريحات الرئيس اللبناني توحي وكأن إيران قوة تسيطر على البلاد أو تهدد استقرارها .
غير أن هذا الرد لم ينه الجدل ، بل أعاد إلى الواجهة أسئلة لبنانية قديمة حول حدود النفوذ الخارجي وحول ضرورة حماية السيادة الوطنية .
المفارقة اللافتة أن المساندة التي حظي بها موقف الرئيس عون لم تبقَ محصورة في تيار سياسي واحد ، بل امتدت إلى أطراف وشخصيات مختلفة ، اجتمعت على فكرة واحدة : لا مستقبل للبنان من دون دولة قوية صاحبة القرار .
وفي هذا السياق، دعا رئيس الحكومة نواف سلام إيران إلى عدم استخدام لبنان في مفاوضاتها أو حساباتها الإقليمية والدولية ، مؤكدا أن المصلحة اللبنانية يجب أن تكون الأولوية فوق أي اعتبار آخر .
كما تعالت أصوات سياسية عديدة تؤكد أن استعادة الدولة لدورها الكامل تمر عبر حصر القوة والسلاح بيد المؤسسات الشرعية . وفي هذا الإطار ، دعا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى تسليم حزب الله سلاحه للدولة ، مشددا على أن الخلاف ليس مع الشعب الإيراني ، بل مع السياسات التي جعلت لبنان ساحة تتقاطع فوقها مشاريع ونفوذات إقليمية .
بدوره ، شدد النائب سامي الجميل على أن لبنان ليس تابعاً لأي دولة ، وأن رئيس الجمهورية لا يحتاج إلى موافقة أي جهة خارجية للدفاع عن سيادة وطنه واستقلال قراره . وهي رسالة وجدت صدى لدى كثير من اللبنانيين الذين يرون أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة القرار .
إن ما يحدث اليوم بلبنان يتجاوز حدود سجال سياسي حول تصريح وردّ عليه ، فهو يعكس لحظة لبنانية جديدة تتزايد فيها المطالبة بإنهاء زمن الوصايات والنفوذ الخارجي ، وبناء دولة تكون مؤسساتها وحدها المرجعية في قضايا الحرب والسلم والسياسة الخارجية.
لقد كان الرد اللبناني على تصريحات عراقجي دفاعاً عن فكرة لبنان قبل أن يكون دفاعا عن موقف سياسي بعينه .
إنه دفاع عن حق بلد عريق بتاريخه وحضوره أن يعيش كدولة كاملة السيادة ، لا كساحة مواجهة ، ولا كورقة تفاوض في صراعات الآخرين .
ومن خلال هذا الحراك السياسي والشعبي ، يبدو أن الرسالة اللبنانية باتت أكثر وضوحا : لبنان يريد أن يكون وطناً يملك قراره ، لا ساحة تُرسم عليها خرائط النفوذ . يريد دولة قوية تحمي أبناءها ، ومؤسسات تمتلك وحدها حق اتخاذ القرارات المصيرية .
ففي النهاية ، يبقى القرار الذي يصنع مستقبل لبنان هو القرار الذي يخرج من بيروت ، ومن إرادة اللبنانيين انفسهم .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية