تونس 32°C

5 جوان 2026

تونس 38°C

5 جوان 2026

مرجان ساترابي … حين يرحل الفنّان ويبقى وجع الوطن .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

رحلت الكاتبة والرسامة والمخرجة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي ، عن عمر ناهز السادسة والخمسين ، تاركة خلفها تجربة إبداعية استثنائية جعلتها واحدة من أبرز الأصوات الثقافية في عصرنا .
غير أن رحيل صاحبة ” برسيبوليس ” لم يكن مجرد غياب لفنانة بارزة ، بل كان نهاية مسيرة امرأة حملت في قلبها أثقالاً كثيرة : وجع المنفى ، وذاكرة الوطن ، وفقدان شريك الحياة ، وأسئلة الحرية التي لم تتوقف عن مطاردتها .
كانت إيران بالنسبة إلى مرجان ساترابي أكثر من مجرد وطن غادرته ، كانت جرحا مفتوحا وذاكرة حية رافقتها أينما ذهبت .
فرغم إقامتها الطويلة في فرنسا، بقيت مرتبطة روحيا وثقافيا ببلادها ، تستحضر تفاصيلها في كتاباتها ورسوماتها ، وتتابع بقلق وألم التحولات التي عاشتها ، من الأزمات السياسية والاجتماعية إلى معاناة الأجيال الجديدة ، وخاصة النساء والشباب الذين طالبوا بحقوقهم وحرياتهم .
لقد صنعت ساترابي مجدها الأدبي والفني من خلال عملها الأشهر ” برسيبوليس ” ، الرواية المصورة التي تحولت إلى واحدة من أهم الأعمال العالمية في هذا المجال .
لم تكن مجرد سيرة ذاتية عن طفولة فتاة إيرانية في زمن مضطرب ، بل كانت شهادة إنسانية عميقة على صراع الفرد مع التحولات الكبرى ، وعلى قدرة الإنسان على التمسك بحريته وسط القيود والخوف والانقسامات .
وبأسلوب بسيط وعميق في آن واحد ، استطاعت ساترابي أن تقدم صورة مختلفة عن إيران ، بعيدا عن القوالب الجاهزة والصور النمطية .
لقد رسمت مجتمعا فيه التناقضات والأحلام والآلام ، مجتمعا يضم بشرا قبل أن يكون عنوانا سياسيا ، ولذلك لامست أعمالها قلوب القراء في مختلف أنحاء العالم ، وترجمت إلى لغات عدة ، كما تحولت إلى أعمال سينمائية حظيت بتقدير دولي واسع .
لكن وراء النجاح والشهرة ، كانت هناك امرأة تحمل أحمالا عاطفية وإنسانية ثقيلة .
فقد كان رحيل زوجها ورفيق حياتها المنتج والمخرج السويدي ماتياس ريبا خسارة عميقة تركت أثرا بالغا في نفسها .
وفي الوقت ذاته ، ظل جرح الوطن حاضرا ، إذ كانت ترى بلدها يمر بمراحل صعبة ، وتعيش آلام شعبها كما لو كانت آلاما شخصية .
لم تكن مرجان ساترابي فنانة تكتفي بمراقبة العالم من بعيد ، بل اختارت أن يكون فنها موقفا وصوتا .
فقد سخّرت أعمالها وشهرتها للدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان ، وكانت تؤمن بأن الرسم والكتابة ليسا مجرد تعبير جمالي ، بل وسيلة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان ، وشهادة على ما تعيشه الشعوب من أزمات .
برحيلها ، تفقد الثقافة العالمية صوتا نادرا جمع بين قوة الإبداع وصدق الالتزام .
لقد عاشت ساترابي وهي تحمل وطنها معها أينما ذهبت ، تحمل لغته وذاكرته وأسئلته ، وتحاول أن تمنح صورة أكثر إنسانية لشعبها وتاريخه .
رحلت مرجان ساترابي ، لكن قصصها ورسوماتها ستبقى حاضرة ، شاهدة على امرأة لم تتخلّ يوما عن حلمها بالحرية ، وعلى فنانة جعلت من تجربتها الشخصية مرآة لمعاناة وأحلام ملايين البشر .
وستظل ” برسيبوليس ” وغيرها من أعمالها تذكّر العالم بأن الإنسان ، مهما أبعدته المنافي ، يبقى يبحث عن وطن اكثر عدلا يجد فيه امانا و سلاما .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية