تونس 31°C

5 جوان 2026

تونس 38°C

5 جوان 2026

المغرب يودّع إدغار موران مع فرنسا … وفاءٌ لمفكر جمع بين ضفتي المتوسط .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

شهدت العاصمة الفرنسية باريس مراسم تكريم وطنية مهيبة للمفكر و الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ، أحد أبرز العقول الفكرية في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ، والذي رحل عن عمر ناهز 104 سنوات ، تاركا وراءه إرثا استثنائيا تجاوز حدود فرنسا ليصبح جزءا من الذاكرة الفكرية والإنسانية العالمية .
لم يكن رحيل إدغار موران مجرد غياب لفيلسوف كبير ، بل كان نهاية مسيرة رجل أمضى أكثر من قرن في الدفاع عن الإنسان ، وعن أهمية المعرفة والحوار والتفكير النقدي . فقد ظل ، حتى سنواته الأخيرة ، صوتا مستقلا يدعو إلى فهم العالم بكل تعقيداته ، بعيدا عن الأحكام السطحية والرؤى الأحادية .
جرت مراسم التأبين تحت إشراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، وبحضور شخصيات سياسية وثقافية وفكرية من فرنسا وخارجها ، في مشهد عكس المكانة التي احتلها موران في الحياة الثقافية العالمية .
وكان حضور المغرب لافتا ، حيث أوفد الملك محمد السادس رئيس الحكومة عزيز أخنوش لتمثيله في هذه المناسبة ، في رسالة تقدير ووفاء للعلاقة الخاصة التي جمعت المفكر الراحل بالمملكة المغربية .
وخلال مراسم الوداع ، نُقل نعش إدغار موران وسط أجواء رسمية مؤثرة ، قبل أن يلقي الرئيس ماكرون كلمة استحضر فيها مسار مفكر استثنائي عايش تحولات كبرى في التاريخ الحديث ، وظل رغم تغير الأزمنة محافظا على موقعه كصوت حر ومضيء ، يطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع والمصير المشترك للبشرية .
وكان حضور الدكتورة صباح أبو السلام موران ، زوجة الراحل ورفيقة دربه ، من أكثر اللحظات تأثيراً في هذه المراسم ، حيث حرص الرئيس الفرنسي على الوقوف إلى جانبها وتقديم التعازي لها ولعائلتها .
كما شاركت في المناسبة سفيرة المغرب بباريس سميرة سيطايل وعدد من كبار المسؤولين الفرنسيين ، تأكيدا على البعد الدولي والإنساني لهذا الوداع .
وفي لفتة تحمل دلالات عميقة ، سلّم رئيس الحكومة المغربية رسالة تعزية من الملك محمد السادس إلى أرملة الراحل وأسرته ، عبّر فيها عن بالغ التقدير لمكانة إدغار موران ، وعن الاعتراف بالعلاقة الفكرية والإنسانية التي ربطته بالمغرب طوال عقود .
فقد كان موران يرى في المغرب بلدا ذا عمق حضاري وتاريخي ، ومجالا للتعايش والانفتاح والحوار بين الثقافات .
كما كان يرى في قدرة المملكة على الجمع بين الأصالة والانفتاح ، وعلى الحفاظ على جسور التواصل بين مختلف الشعوب والحضارات .
وأكدت الرسالة الملكية أن إرث موران الفكري والإنساني سيظل حاضرا لدى أجيال من الباحثين والمثقفين والطلبة ، ليس فقط في فرنسا ، بل في المغرب والعالم أجمع ، باعتباره أحد المفكرين الذين جعلوا من المعرفة وسيلة للتقارب بين البشر .
من جهتها، عبّرت الدكتورة صباح أبو السلام موران عن امتنانها لمظاهر التقدير التي أحاطت بذكرى زوجها ، مؤكدة أن أفضل تكريم له هو مواصلة نشر أفكاره والحفاظ على مشروعه الفكري الذي تجاوز الحدود الوطنية وأصبح ملكا للإنسانية جمعاء .
لقد كان إدغار موران أكثر من فيلسوف ، كان جسرا بين الثقافات والضفاف .
فقد حمل في فكره قضايا الإنسان الكوني ، ودافع عن فكرة أن العالم لا يمكن فهمه إلا من خلال ترابط أجزائه وتعقيد علاقاته .
ومن هنا جاءت أهمية مشروعه حول “ الفكر المركب ”، الذي دعا من خلاله إلى تجاوز الاختزالات والنظر إلى الواقع باعتباره شبكة متداخلة من العوامل والأبعاد .
وبفضل عشرات المؤلفات والدراسات التي تركها ، أصبح موران مرجعا أساسيا في الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية ، وظلت كتاباته مصدر إلهام لكل من يبحث عن فهم أعمق لعصر مليء بالتحديات والتحولات .
إن رحيل إدغار موران خسارة لا تخص فرنسا وحدها ، بل تخص كل من آمن بقوة الفكر والثقافة والحوار .
غير أن الرجل الذي عاش أكثر من قرن في خدمة المعرفة ترك وراءه ما هو أبقى من العمر : أفكارا حية ، وأسئلة مفتوحة ، ورسالة إنسانية تؤكد أن بناء الجسور بين الشعوب هو الطريق الحقيقي لمستقبل أكثر تفهما وسلاما .
وبين ضفتي المتوسط ، سيبقى اسم إدغار موران شاهدا على قدرة الفكر على تجاوز الحدود ، وعلى أن الثقافة الصادقة لا تعرف وطنا واحدا تنتمي إليه الإنسانية جمعاء .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية