تونس 34°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

حين تأكل الأجنحة جسد الدولة : ملامح التآكل داخل النظام الإيراني اليوم

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم تعد أزمة إيران تُختزل في جبهات القتال أو في ضغوط الخارج ، بل أخذت تتعرّى تدريجيا من داخل بنية النظام نفسه .
فالتصعيد المتزايد بين أجنحته لم يعد مجرد تباين في التقدير ، بل بات يكشف عن تصدعات عميقة يصعب سترها .
والتفاعل العنيف مع تصريحات محمد جواد ظريف، وما رافقها من حملات تخوين وتحريض ، لا يمكن فهمه بوصفه اختلافا سياسيا عاديا ، بل هو مؤشر واضح على اختلال توازن نظام بدأ يفقد قدرته على ضبط نفسه.
في الأنظمة المتماسكة ، تُدار الخلافات خلف الأبواب المغلقة ، وتُضبط إيقاعاتها بما يحفظ صورة الدولة وهيبتها .
أما حين تنفجر هذه الخلافات في العلن ، وتتصاعد إلى حد المطالبة بالاعتقال أو حتى الإعدام ، فإن ذلك يعني انتقال الصراع من مستوى السياسة إلى مستوى الوجود. وهذا بالضبط ما تشهده إيران اليوم .
التيار المحافظ، الذي يقود الحملة ضد ظريف وحسن روحاني ، لا يكتفي برفض منطق التهدئة أو التفاوض ، بل يمضي أبعد من ذلك نحو نزع الشرعية بالكامل عن خصومه عبر خطاب التخوين والعمالة .
في المقابل، يعبّر التيار الإصلاحي عن قلق متصاعد من كلفة هذا النهج ، سواء على مستوى اقتصاد منهك أو على مستوى استقرار داخلي هش .
وبين هذين المسارين ، تبدو الدولة وكأنها تفقد القدرة على إنتاج قرار موحّد ، وتتحول إلى ساحة تجاذب مفتوح .
انّ اللافت ليس فقط مضمون تصريحات ظريف الداعية إلى استثمار “ تفوق ” مفترض لفتح أفق تفاوضي ، بل حجم الردّ عليها .
أن يُتهم وزير خارجية سابق بالتجسس ، وأن تُحرق صوره في الشارع ، وأن تُرفع شعارات تطالب بإعدامه ، فذلك يكشف أن النظام لم يعد يحتمل حتى نقاش خياراته الاستراتيجية .
وهذه سمة معروفة في الأنظمة التي تدخل طور الانكماش والتآكل ، حيث يصبح الرأي المختلف تهديداً بحد ذاته .
أما دعوات حسن روحاني إلى الإصلاح السياسي ، بالتوازي مع الدعوة إلى إنهاء الحرب ، فتعكس وعيا داخل جزء من النخبة بأن الاستمرار في المسار الحالي يقود إلى انسداد كامل .
غير أن هذا الوعي يصطدم بجدار صلب من التيار المحافظ ، الذي يرى في أي تراجع مساسا مباشرا بأسس شرعيته ومصالحه المتشابكة .
هنا تحديدا ، تتجلى الأزمة البنيوية في أوضح صورها : نظام قائم على توازنات دقيقة بين مؤسسات متداخلة ، لم يعد قادرا على استيعاب التحولات ، لا داخليا ولا خارجيا .
فبدل أن يكون التعدد داخل النخبة مصدر قوة ، تحول إلى عامل تفجير داخلي ، في ظل غياب آليات حقيقية لإدارة الخلاف .
ما يحدث اليوم في طهران ليس سجالا سياسيا عابرا ، بل ملامح مرحلة انتقالية غير معلنة ، تتآكل فيها شرعية الخطاب الواحد ، وتتصادم فيها رؤيتان لمستقبل الدولة : إحداهما ترى في التصعيد خيارا وجوديا ، والأخرى تعتبر أن البقاء يمر عبر التهدئة وإعادة التموضع .
في ظل هذا الانقسام الحاد ، يبدو النظام الإيراني وكأنه يدخل اختبارا قاسيا ، حيث لم يعد الخطر يأتي من الخارج فقط ، بل من داخله أيضا .
فحين تتحول النخب إلى خصوم ، وتُستبدل لغة السياسة بلغة التخوين ، لا يكون ذلك دليلا على القوة ، بل علامة على بداية اهتزاز عميق في الأسس .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية