تونس 28°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

من يصوغ وعي العرب؟ حين تتحول “المقاومة” إلى سردية وتُغيَّب الحقيقة.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يعد السؤال الجوهري اليوم : لماذا تعادي إيران جزءا من العالم العربي؟ ، بل اساسا كيف نجحت في أن تحصد تعاطف شريحة منه ، رغم كل ما تكشفه الاحداث و الوقائع ؟ .
كيف يمكن لخطاب سياسي أن يعيد تشكيل الإدراك الجمعي إلى الحدّ الذي يُدان فيه الفعل على الأرض ، لكنه يُمجَّد في المخيال؟.
هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما : أن تتحول “ الصورة ” إلى بديل عن الحقيقة ، وأن يُختزل التعقيد السياسي في شعار واحد .
فمجرد رفع راية العداء لإسرائيل و الولايات المتحدة كان كافيا ، لدى البعض ، لمنح إيران صفة “ المقاومة ” ، حتى وإن كانت الوقائع تشير إلى أن نيرانها لم تتجه دائما نحو العدو المُعلن ، بل أصابت في كثير من الأحيان عمق الجوار العربي .
إن الخلل لا يبدأ من الموقف ، بل من طريقة صناعته .
لقد أدركت طهران مبكرا أن النفوذ لا يُبنى فقط بالسلاح ، بل بالوعي .
فاشتغلت على هندسة سردية متماسكة ، تقوم على إعادة تعريف الأعداء والأصدقاء داخل العقل العربي .
البداية كانت باستثمار فكرة “ العدو المشترك ”، حيث قُدّمت إيران كطرف وحيد في مواجهة قوى الهيمنة الكبرى ، في بيئة عربية مثقلة بالإحباطات والانكسارات .
وهنا، لم يكن الخطاب بريئا ، بل كان مدخلا نفسيا لإعادة ترتيب البوصلة .
ثم جاءت مرحلة أكثر تعقيدا : تصدير الخطاب عبر وكلاء محليين .
لم تعد الميليشيات مجرد أدوات عسكرية ، بل تحولت إلى منصات تأثير ، تنقل الرواية بلهجة الداخل و وجوهه ، فتُخفي مصدرها وتُضفي عليها شرعية زائفة .
وهكذا، يصبح الصوت “ محليا ” بينما المرجعية خارج الحدود .
وفي العمق ، جرى اللعب على أكثر الأوتار حساسية : الانتماء و الهوية.
تحول الصراع من كونه سياسيا إلى انتماء طائفي ، ومن خلاف مصالح إلى صراع وجود . لم يعد الولاء للدولة الوطنية هو الأساس ، بل لمحور عابر للحدود ، يُقدَّم بوصفه حامل “ قضية كبرى ”، بينما هو في جوهره مشروع نفوذ .
الأخطر من ذلك ، أن مفهوم الولاء نفسه أُعيد تشكيله .
ففي ظل هذه السردية ، لم يعد الانتماء للوطن شرطا ضروريا ، بل أصبح قابلا للإزاحة لصالح ولاءات فوق وطنية ، تُغلّف بشعارات كبرى ، من قبيل “ محور المقاومة ”، بينما تخفي في باطنها بنية سياسية قائمة على تصدير النموذج لا على تحرير الأرض .
وهذا التحول لا يهدد فقط فكرة الدولة ، بل يضرب أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي .
ولا يمكن فصل هذا كله عن الدور الحاسم للإعلام .
لقد جرى بناء آلة دعائية عالية الكفاءة ، تُجيد مخاطبة العاطفة ، وصناعة الرموز ، وتغليف المشاريع السياسية بلغة وجدانية كثيفة .
في هذا الفضاء ، تتراجع الحقيقة أمام الصورة ، وتتحول الرواية إلى واقع بديل . يصبح البطل من تُصنع له قصة ، لا من يصنع الفعل .
غير أن هذه السردية ما كانت لتنجح لولا وجود فراغ داخلي عربي .
فحين تعجز بعض الأنظمة عن تلبية تطلعات شعوبها ، ينشأ فراغ سياسي ومعنوي ، تبحث فيه الجماهير عن بدائل ، حتى وإن كانت وهمية .
وهنا تتسلل الخطابات العابرة للحدود ، مقدّمة نفسها كخيار “ مقاوم ” في مقابل واقع مثقل بالإحباط .
أما الورقة الأكثر حساسية ، فهي توظيف الدين .
حين يُقدَّم مشروع سياسي على أنه دفاع عن الإسلام ، لا يعود من السهل رفضه او حتى نقده .
يتحول الاعتراض إلى شبهة ، والمساءلة إلى تهمة . وهكذا، تُحصَّن السياسة بقداسة العقيدة و الدين ، ويُمنح النفوذ غطاء عقائديا يصعب اختراقه .
ومع ذلك، فإن كل هذه الهندسة الدقيقة للوعي تصطدم بحقيقة يجري تجاهلها أو التعتيم عليها عمدا : أن الفعل لا يُقاس بالشعارات، بل بالنتائج .
ففي الوقت الذي تُرفع فيه رايات “ المقاومة ”، كانت دول الخليج العربي تمارس دعمها للقضايا العربية والإسلامية بصدق و بصمت فعّال . من الإغاثة الإنسانية إلى الدعم الاقتصادي ، ومن المبادرات السياسية إلى الجهود الدبلوماسية ، ظلّ الحضور الخليجي قائمًا بالفعل لا بالخطاب .
وبين من يرفع الشعار ومن يقدّم الفعل ، تتكشف فجوةٌ يحاول البعض إخفاءها ، لكنها تظلّ واضحة لمن يربط المواقف بالوقائع .
إن معركة اليوم لم تعد فقط على الأرض ، بل في الوعي الجمعي العام .
فمن يملك القدرة على تشكيل الإدراك ، يملك القدرة على توجيه الموقف .
ولذلك، فإن استعادة التوازن لا تمر عبر خطاب مضاد فحسب ، بل عبر بناء وعي نقدي ، يعيد الاعتبار للدولة الوطنية ، ويفكك السرديات الجاهزة ، ويربط الحقيقة بمصادرها لا بصورها .
في النهاية، ليست القضية من يقاتل أكثر ، بل من يُقنع أكثر .
وهنا تحديدا تُحسم الحروب و المعارك التي لا تُرى .


اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية