بقلم أبوبكر الصغير.
في زمن كزمننا ، تقاس فيه الدول بمدى قدرتها على إشعال الحروب ، اختارت المملكة العربية السعودية أن تُقاس بقدرتها على إخمادها .
لم يكن امتناع المملكة عن الدخول في أتون الصراع ضعفا، و لا تردّدا ، او عدم وضوح الرّؤية ، بل كان قرارا سياديا نابعا من قراءة عميقة لمعادلات القوة ، وإدراكا استراتيجيّا لمآلات الفوضى حين يفتح بابها على مصراعيه .
لقد راهن كثيرون على أن تنجرّ الرياض إلى المواجهة و الحرب ، مدفوعين بصورة نمطية تختزل القوة في صوت المدافع و دخان الصواريخ و أزيز الطائرات الحربية . لكن ما لم يدركوه هو أن المملكة ، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، أعادت تعريف القوة ذاتها : فالقوة ليست فقط في القدرة على خوض الحرب ، بل في القدرة على تجنّبها حين تكون كلفتها أعلى من مكاسبها .
تمتلك السعودية من الإمكانات العسكرية الضخمة و المتطورة جدا ما يجعلها في مصاف القوى العالمية المؤثرة إقليميا ودوليا، بجيش من خيرة الجيوش العربية راكم خبرات ميدانية ، وبنية دفاعية متطورة ، وتحالفات استراتيجية واسعة .
ومع ذلك ، لم تُستدرج إلى المعركة . لماذا؟ لأن القيادة السعودية فهمت أن المعركة المطروحة لم تكن معركة دفاع عن السيادة ، بل محاولة لإعادة تشكيل المنطقة وفق سيناريوهات تخدم أطرافا أخرى .
في قلب هذا المشهد ، كان بنيامين نتانياهو يسعى إلى توسيع رقعة الصراع ، محولا إياه من مواجهة سياسية – عسكرية محدودة إلى صراع هوياتي خطير .
كان يراهن على دخول السعودية ليعيد صياغة النزاع على أنه حرب “ سنية – شيعية ”، وهو الإطار الذي طالما سعت إسرائيل إلى تغذيته لتفكيك المنطقة وإضعافها من الداخل .
بالتوازي ، كان دونالد ترامب يبحث عن إنجاز سياسي عاجل و سريع ، يقدّمه للناخب الأمريكي كاختراق تاريخي ، عبر بوابة التطبيع السعودي – الإسرائيلي .
كان المطلوب أن تُقدَّم السعودية كجائزة سياسية في لحظة توتر إقليمي ، وكأنها ورقة تفاوض في لعبة أكبر .
لكن الرياض رفضت أن تكون لعبة سياسية او ورقة في يد أحد .
اختارت أن تدير المشهد بحكمة و بهدوء ، أن تراقب دون اندفاع ، وأن تحافظ على توازن دقيق بين حماية شعبها و مصالحها وعدم الانخراط في مشروع قد يُغرق المنطقة في فوضى شاملة .
لم تُقدّم التطبيع مجانا ، ولم تنخرط في حرب ليست حربها ، بل انتظرت حتى تتكشف النوايا وتظهر الحسابات الخفية .
وهنا، تجلّت الحكمة. فبينما كان الآخرون يخططون لإشعال المنطقة، كانت السعودية تُطفئ أعواد الثقاب واحدا تلو الآخر .
وبينما سعى البعض إلى جرّ الخليج إلى مواجهة مفتوحة ، وقفت الرياض كجدار صلب أمام هذا السيناريو ، مُفشلة رهانات التوريط ، ومُعيدة توجيه البوصلة نحو الاستقرار .
لقد لعبت السعودية لعبة ذكية ، لا تقوم على ردّ الفعل ، بل على الفعل الهادئ المدروس .
لم تُعلن انتصارا ، لكنها حققته .
لم تدخل الحرب، لكنها أثّرت في مسارها و مآلاتها .
ولم ترفع صوتها، لكنها غيّرت المعادلة .
في النهاية، قد لا تُسجّل كتب التاريخ عدد الطلقات التي لم تُطلق ، ولا الحروب التي لم تقع .
لكنها حتما ستذكر تلك اللحظات التي انتصرت فيها الحكمة على الاندفاع ، والعقل على المغامرة .
وفي هذه اللحظة تحديدا ، كانت الرياض هي الأسّ و العنوان .



