تونس 21°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

السعودية… حين تختار الحكمة طريقا وسط عاصفة الحرب .

بقلم أبوبكر الصغير.

في زمن تضج فيه منطقة الشرق الأوسط بالانفعالات ، وتعلو فيه أصوات الحرب أكثر من أصوات العقل، اختارت السعودية طريقا اخرى مختلفة . طريقا لا تقوم على الصخب ، بل على الرصانة و الاتزان و إعلاء صوت العقل . ولا على ردود الفعل المتسرعة ، بل على الحسابات الهادئة الدقيقة.
منذ اندلاع التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، بدت المملكة أكثر الدول عقلانية و اتزانا في المواقف ، وأشدها حرصا على ألا تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة . و حتى رغم تاريخ طويل من الخلافات مع ايران ، فإن الرياض لم تنجرّ إلى لغة التصعيد او التهديد و الوعيد ، ولم تنزلق إلى خطاب المواجهة المباشرة ، بل اختارت إدارة التوتر بعقل الدولة لا بعاطفة الصراع .
هذه المقاربة لم تأتِ من فراغ .
فالسعودية افضل من يدرك أن الحروب في الشرق الأوسط لم تعد حروب حدود فقط ، بل حروب اقتصادات واستقرار وأجيال قادمة . ولذلك فإن كلفة الاشتعال الشامل أكبر بكثير من أي مكسب سياسي عابر .
ومن هنا جاء موقفها و خطابها الرسمي واضحا : التهدئة و تجنب التصعيد و ضبط النفس و البحث عن حل سياسي ، بدل الاصطفاف العسكري .
لقد اكدت المملكة في السنوات الأخيرة انها فعلا قوة إقليمية متوازنة ، قوة استقرار قادرة على أن تنصت و تتحدث مع الجميع ، وأن تبقي كلّ جسور التواصل مفتوحة حتى مع الاعداء و الخصوم.
فهي تدرك أن القوة و النفوذ الحقيقي في هذا الشرق المضطرب لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ او الطائرات المسيّرة أو حجم الجيوش ، بل أيضا بمدى قدرة الدولة على حماية الاستقرار وصناعة التوازن .
في هذا السياق، تحاول الرياض أن تلعب دور الوسيط أكثر من دور الطرف ، ودور المهدّئ أكثر من دور المؤجّج .
فالمعادلة التي تحكم الموقف السعودي اليوم واضحة لا لبس فيها : لسنا ساذجين كي نثق كليا في نظام الحكم في طهران ، لكننا أيضا لسنا متهورين لنندفع إلى مواجهة مباشرة قد تشعل المنطقة بأكملها .
ولهذا تبدو السعودية اليوم كأنها تراهن على ما يمكن تسميته سياسة ضبط النفس ، سياسة ترى أن خفض التوتر هو الطريق الأفضل و الأقصر لحماية مصالح الشعوب الكبرى ، وأن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لأي مشروع تنموي أو نهضة اقتصادية .
ففي عالم يميل سريعا إلى الاستقطاب، تحاول المملكة أن تكون صوت العقل و الحكمة و الاعتدال .
لا طرفا مؤججا لحرب، بل قوة توازن فيها .
ولا لاعبا في إشعال الصراع ، بل دولة تسعى لأن تظل المنطقة قابلة للحياة .
ففي الشرق الأوسط، حيث كثيرا ما تُختبر الدول في لحظات الغضب ، تبدو الحكمة أحيانا افضل و اقوى الأسلحة .
وهذ بالضبط هو رهان القيادة السعودية اليوم ، قيادة تختار الاتزان و التبصّر في زمن الانفعالات ، و تراهن على التهدئة و صناعة السلام و الاستقرار بدل الانجرار إلى التصعيد و العواصف .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية