بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في اللحظات التي تضطرب فيها خرائط العالم ، تتساقط الأقنعة وتنكشف الحقائق .
فالأزمات الكبرى لا تختبر فقط صلابة الجيوش أو متانة الاقتصادات ، بل تكشف قبل كل شيء عن الوزن الحقيقي للدول في ميزان السياسة الدولية .
وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة ، يظهر الفرق جليا بين دولة صنعت مكانتها عبر الزمن ، وأخرى لم تتجاوز حدود الضجيج الإعلامي والخطابات الحماسية .
وما نشهده اليوم من موجة تضامن كبيرة و واسعة مع المملكة العربية السعودية ليس مجرد تعاطف عابر مع حادث أمني ، بل هو انعكاس مباشر لمكانة سياسية واستراتيجية تراكمت عبر عقود من السياسات المتوازنة والخيارات المدروسة .
فقد استطاعت المملكة ، عبر مسار طويل من العمل الدبلوماسي وبناء الشراكات ، أن تكرّس نفسها ركنا أساسيا من أركان الاستقرار في المنطقة ، وعنصرا لا يمكن تجاوزه في معادلات التوازن الإقليمي والدولي .
عندما تعرضت الأراضي السعودية لهجمات صاروخية من جانب ايران، لم يُنظر إلى الحدث بوصفه مواجهة عسكرية محدودة بين طرفين متخاصمين في شرق أوسط مضطرب ، بل كواقعة تحمل أبعادا أوسع تمسّ توازنات المنطقة بأسرها .
فالسعودية ليست دولة عادية في معادلات الأمن الإقليمي ، أمنها يتقاطع مع أمن الخليج ، واستقرارها يتداخل مع استقرار أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي .
ولهذا جاءت بيانات التضامن من عواصم عربية وغربية وآسيوية عديدة ، في تعبير واضح عن إدراك جماعي بأن أي تهديد يطال السعودية لا يظل محصورا داخل حدودها الجغرافية ، بل يمتد أثره إلى منظومة الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية العالمية .
غير أن هذه المكانة لم تكن وليدة ظرف طارئ، ولا نتيجة لحظة سياسية عابرة .
فقد اختارت المملكة ، عبر مسارها السياسي ، أن تميل إلى منطق التهدئة بدل الانجرار إلى دوامات الفوضى ، وأن توظف ثقلها في مشاريع التنمية وبناء الشراكات الاستراتيجية ، بدلا من الاستثمار في الأزمات أو تصديرها إلى الآخرين .
ومن خلال هذا النهج القائم على الاعتدال والمسؤولية ، نسجت شبكة واسعة من العلاقات الدولية القائمة على الثقة والمصالح المتبادلة .
لهذا بدا التضامن الدولي مع السعودية أمرا طبيعيا ومنسجما مع الصورة التي تشكّلت عنها عبر السنوات .
فالدول التي تنتهج سياسات مسؤولة ، وتحافظ على استقرار محيطها ، وتبني علاقاتها على الاحترام المتبادل ، تكتسب مع مرور الزمن رصيدا سياسيا وأخلاقيا لا يظهر بوضوح إلا حين تتعرض للاختبار .
إن المكانة الدولية لا تُصنع بالشعارات ، ولا تُفرض بالخطابات العالية . إنها تُبنى ببطء عبر تراكم السياسات الرصينة والخيارات الحكيمة. وما تكشفه هذه اللحظة أن السعودية لا تحصد تضامنا ظرفيا فحسب ، بل تجني ثمار مسار طويل من الاعتدال والوعي بدورها في حفظ التوازنات الإقليمية والدولية .



