بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في الحروب الكبرى لا تتوزع الخسائر بالتساوي .
فالجغرافيا العسكرية لا ترسم فقط خطوط النفوذ ، بل ترسم أيضا خرائط الدمار و الموت .
ما تكشفه الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بعد الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران هو مثال صارخ على هذه الحقيقة ، إذ سرعان ما خرجت المواجهة من إطارها الثنائي لتتحول إلى صراع إقليمي واسع امتدّ إلى لبنان ودول الخليج .
رغم أن المنطقة بأكملها تعيش تحت ظلال الصواريخ والطائرات المسيّرة وصفارات الإنذار ، فإن الحصيلة البشرية تبدو حتى الآن غير متوازنة بصورة لافتة .
فبينما ترتفع أعداد القتلى بشكل واضح في إيران ولبنان ، تبقى الخسائر البشرية في إسرائيل ودول الخليج أقل بكثير ، رغم أنها كانت أيضا ضمن مرمى النيران .
تعرّضت إسرائيل وعدد من دول الخليج لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران ، غير أن الخسائر البشرية بقيت محدودة نسبيا بفضل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة والاستعدادات العسكرية العالية .
أما في إيران، حيث يتواصل القصف الجوي والبحري بوتيرة كثيفة ، فإن الأرقام ما تزال محاطة بقدر من الغموض ، إذ لم تعلن السلطات الإيرانية حتى الآن حصيلة رسمية نهائية .
ومع ذلك، تحدث الهلال الأحمر الإيراني عن حصيلة أولية تقارب 1250 قتيلا ، وقد تكون الأرقام أعلى إذا ما أضيف إليها العسكريون الذين سقطوا في الضربات المباشرة .
خلال الأيام الأولى للحرب كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما الجوية والبحرية ، مطلقتين آلاف الذخائر في موجات متلاحقة من القصف .
تشير تقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي أطلق في ليلة واحدة أكثر من ستة آلاف مقذوف خلال سلسلة غارات واسعة . ومن بين أكثر الضربات إيلاما تلك التي أصابت مدينة ميناب جنوب إيران في اليوم الأول للحرب ، وأسفرت عن مقتل 175 شخصا ، بينهم عدد كبير من الأطفال .
تحدثت تقارير صحفية أميركية عن احتمال أن تكون الضربة قد نفذت من قبل القوات الأميركية أثناء استهدافها موقعا قريبا للحرس الثوري .
وفي حادثة أخرى تعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية ، أغرقت مدمرة أميركية سفينة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا ، ما أدى إلى مقتل عشرات البحارة ، في مشهد يؤكد أن الحرب تجاوزت حدود البر لتتمدد إلى الممرات البحرية الحساسة في المنطقة .
أما في لبنان ، فتبدو صورة الدمار مختلفة لكنها لا تقل قسوة .
فإسرائيل أعلنت أنها استهدفت أكثر من خمسمئة موقع منذ بدء عملياتها ضد حزب الله ، ردا على إطلاق صواريخ باتجاه أراضيها . وقد أدى القصف المكثف إلى نزوح مئات الآلاف من سكان الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ، فيما تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل 217 شخصاً وإصابة أكثر من 798 آخرين .
تكشف تصريحات مسؤولين إسرائيليين عن نية واضحة لتغيير المعادلة الميدانية في لبنان .
فقد تحدث مصدر عسكري عن هدف يتمثل في ” التدمير الكامل لحزب الله ” ، مع إقرار ضمني بأن مناطق لبنانية كاملة قد تخرج من هذه الحرب بوجه مختلف تماما .
بل إن بعض الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك ، حين لوّح وزير المالية بتسالئيل سموتريتش بإمكانية أن تواجه الضاحية الجنوبية لبيروت دمارا شبيها بما شهدته غزة بعد السابع من أكتوبر 2023.
في المقابل، تبدو إسرائيل أقل تضررا على مستوى الخسائر البشرية رغم تعرضها لهجمات صاروخية متكررة .
فقد أُطلق نحو مئتي صاروخ باليستي باتجاهها خلال الأيام الأولى للحرب ، كان معظمها في اليوم الأول قبل أن يتراجع العدد تدريجيا مع تدمير جزء كبير من منصات الإطلاق الإيرانية، وفق تقديرات إسرائيلية مدعومة من الولايات المتحدة .
وقد نجحت أنظمة الدفاع الصاروخي في اعتراض الغالبية العظمى من المقذوفات التي كانت تهدد المناطق السكنية ، ولم يتسبب سوى صاروخين في خسائر بشرية مباشرة : أحدهما في تل أبيب حيث قُتل شخص واحد، والآخر في بيت شيمش حيث قُتل تسعة أشخاص.
ومع ذلك، أصيب مئات المدنيين أثناء اندفاعهم إلى الملاجئ مع كل إنذار صاروخي، وهو مشهد بات مألوفا منذ الحرب السابقة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، التي استمرت اثني عشر يوما .
أما دول الخليج التي وجدت نفسها فجأة داخل دائرة النار ، فقد تعرضت هي الأخرى لهجمات صاروخية ومسيرات استهدفت قواعد عسكرية ومطارات ومنشآت صناعية ومواقع مدنية ، خصوصا في الإمارات العربية المتحدة. غير أن أنظمة الدفاع الجوي تمكنت من اعتراض معظم هذه الهجمات، ما حدّ من الخسائر البشرية .
فقد أعلنت أبوظبي سقوط ثلاثة قتلى فقط، فيما تحدثت تقارير عن مقتل خمسة أشخاص في الكويت والبحرين وسلطنة عمان، إضافة إلى ستة جنود أميركيين قضوا في قاعدة عسكرية بالكويت.
هكذا تكشف الأيام الأولى لهذه الحرب حقيقة قديمة تتكرر في كل صراع كبير : فالحروب لا توزّع أثمانها بالتساوي .
فبينما تبدو بعض الجبهات قادرة على امتصاص الصدمة بفضل التكنولوجيا العسكرية أو التحصينات الدفاعية ، تتحول جبهات أخرى إلى ساحات مفتوحة يدفع فيها المدنيون والعسكريون معا الكلفة الأعلى .
وفي الشرق الأوسط الذي يشتعل اليوم على أكثر من خط تماس ، تتضح هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى .
فخريطة الحرب التي تتشكل أمام أعين العالم ليست مجرد خطوط نار وصواريخ متبادلة ، بل خريطة بشرية أيضا ، تُقاس كل يوم بعدد الأرواح التي تبتلعها الحرب … وبالأماكن التي تتحول فيها الجغرافيا إلى قدر قاس لا يرحم .



