تونس 20°C

18 ماي 2026

تونس 38°C

18 ماي 2026

المغرب … دبلوماسية المبادرة ومسؤولية السلام .

بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في لحظة إقليمية حاسمة ، مشبعة بالقلق ، ومفتوحة على سيناريوهات شديدة الحساسية، يقدّم المغرب الشقيق نموذجا لدولة تدرك وزنها ، تشتغل بصمت ، تبني مواقفها على توازن رصين بين الواقعية السياسية والالتزام التاريخي بقضية فلسطين .
ان إعلان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة من واشنطن عن دعم الملك محمد السادس لجهود دونالد ترامب من أجل إعادة إعمار غزة، لا يندرج في خانة المواقف العابرة ، بل يمثل ترجمة لرؤية استراتيجية مغربية تعتبر أن السلام المستدام يبدأ بإزالة آثار الحرب لا بتأجيلها.
فالمغرب، بقيادة الملك محمد السادس بصفته رئيس لجنة القدس ، لم يتعامل يوما مع القضية الفلسطينية بمنطق المزايدات ، بل بمنطق الفعل المؤسس على الشرعية الدولية، وحسابات دقيقة للتوازنات الإقليمية .
دعم خطة إعادة إعمار غزة، بما هي خطوة أنهت حربا مأساوية ومهّدت لوقف إطلاق النار، بما يعكس انخراط المغرب في مرحلة ما بعد النزاع : مرحلة إعادة بناء الإنسان، وترميم الثقة، وتوفير شروط الانطلاق نحو سلام حقيقي.
لا تختزل إعادة الإعمار في شاحنات الإسمنت وحديد البناء ، بل في إعادة صياغة أفق جديد لسكان القطاع .
وحين يضع المغرب خبرته في مجالات الأمن والصحة وتعزيز التسامح تحت تصرّف مجلس السلام ، فهو يقدّم نموذج دولة نجحت في إدارة التعدد ، وترسيخ الانفتاح الديني والثقافي ، في منطقة تبحث عن مخارج لا عن صراعات إضافية .
هذه الرؤية تعكس قناعة بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر مؤسسات فلسطينية شرعية قادرة على إدارة المرحلة ، وضمان ألّا تتحول غزة إلى فراغ أمني أو سياسي.
في المقابل، يحرص المغرب على أن تسير المرحلة الثانية من خطة السلام وفق شروط دقيقة تحافظ على جدية العملية وتمنع أي تراجع عنها . فتأمين الاستقرار في الضفة الغربية ، وربط إعادة إعمار غزة بأفق سياسي واضح يقوم على حلّ الدولتين ، هو ترجمة لنهج دبلوماسي يرفض الحلول التجزيئية أو الخطوات المعزولة عن إطار استراتيجي شامل .
هنا تبرز متانة و قوة الدبلوماسية المغربية : دعم صريح للجهود الدولية، دون التخلي عن الثوابت التاريخية أو الانخراط في ترتيبات غير مكتملة .
لا يسعى المغرب إلى الأضواء ، بل إلى أداء دور مسؤول في لحظة عالمية حرجة .
ان حضور المغرب الفاعل في اجتماع دولي ضم نحو خمسين دولة لا يعكس مجرد مشاركة ، بل ثمرة سنوات من دبلوماسية هادئة ، ورصيد كبير من الثقة ، وقدرة على مخاطبة الأطراف المتباينة بلغة متوازنة .
إن دعم جهود السلام في غزة ليس مبادرة ظرفية ، بل امتداد لرؤية تعتبر أن استقرار الشرق الأوسط جزء لا يتجزأ من أمن الفضاء المتوسطي والإفريقي.
في زمن تتشابك فيه المصالح الجيوسياسية وتتقاطع الحسابات ، يختار المغرب أن يكون صوت العقل و الحكمة ، وأن يقترن دعمه لإعادة الإعمار بإطلاق مسار سلام حقيقي ، لا مجرد هدنة محكومة بانفجار جديد .
وبين الواقعية والالتزام، تتشكل دبلوماسية مغربية ترى في السلام خيارا استراتيجيا ، وفي الاستقرار مسؤولية تاريخية ، وفي حلّ الدولتين الطريق الوحيد لإنهاء الصراع من جذوره لا تجميده .



اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية