بقلم – ابوبكر الصغير .
نعيش تونس اليوم ، تونس حنبعل و ابن خلدون و الشابي و غيرهم ، حالة من الإرهاق الفكري والقيمي ، كأن العقول التي كانت يوما تنير الفضاء العام قد تراجعت إلى الصفوف الخلفية .
وبينما تتكاثر علينا البدع الوافدة من التشيّع المستورد إلى ثقافات الشذوذ إلى تجار المخدرات إلى طرق صوفية هجينة لم يعرف بها أجدادنا ، يخرج علينا من يقول إن ما ينقص تونس اليوم هو ” الطريقة الكركرية ” ! . وكأن هذه البلاد، التي خرّجت منارات علم وفكر وتحصين ، لم يعد لها من خلاص إلا في مزيد من التيه الروحي والضباب العقائدي.
ما ينقص تونس اليوم ليس ” بدعة ” او “ طريقة” جديدة، بل عودة “الطريق” الحقيقي الذي عرفناه : طريق العقل، وطريق الوعي، وطريق الشباب الحرّ.
أليس من حق الواحد منا أن يشتاق إلى تلك الهبات التي كانت تعصف بشبابنا كريح بركة ونقاء؟ . من حركة كشفية كانت تصنع رجالاً يعرفون معنى الانضباط والبذل و العطاء ، إلى برنامج ” شباب و علم ” الذي كان يملأ البيوت نورا ويوقظ في التلميذ حُب السؤال قبل البحث عن الإجابة ، إلى فيالق التطوع من تلاميذ و طلبة ، التي كانت تجوب المدن والقرى، تُدرّب الشباب على العمل الجماعي، على التضحية، على خدمة الوطن بلا مقابل ولا صخب.
بل الاهم كنا نملك جيلا من الشباب هو الأكثر انخراطا فكريا في العالم العربي. شباب يناقش، يحاور، يقرأ، يختلف، ويغوص في النظريات والاتجاهات الفكرية العميقة.
شباب كان يحاور العالم بـ عقله النَيِّر، لا بخرافات ولا ألوان ولا طقوس دخيلة.
كان شباب تونس مشروع نخبة، مشروع مجتمع، مشروع دولة .
أما اليوم، فاندفع البعض إلى الإدمان، والفراغ، والتيارات الغريبة التي لم تُبنَ على علم ولا عقل ولا تأصيل .
ان هذ “الطريقة الكركرية” التي بدات تنتشر ليست حلا ، بل علامة أزمة .
عندما يبدأ المجتمع في استقبال مذاهب غريبة لا جذور لها ، فهذا يعني شيئا واحدا : ان هناك فراغا ، والفراغ يملأ نفسه بأي شيء.
وحين تختلط الروحانيات بالتصورات الشعبوية، وتُقدّم الحلول في شكل طقوس وألوان، ويُغيب العقل أمام الشعور، نعلم أننا دخلنا زمن الخلط الكبير.
تونس لا تحتاج إلى ” طريقة ” جديدة .
تونس تحتاج إلى مشروع وطني يستعيد روح شبابها.
نحن لا نحتاج إلى من يعلّم شبابنا كيف يرقصون في حلقات أو يتعبدون بالألوان ،
نحن نحتاج إلى من يعلّم شبابنا كيف يصنعون المستقبل.
إنها ليست معركة مذاهب ، إنها معركة وعي.
وإذا عاد الوعي … عاد الوطن . .



