تونس 33°C

19 جوان 2026

تونس 38°C

19 جوان 2026

المنطقة قبل الضربة : كيف أربكت دبلوماسية الخليج قرار الحرب ؟.

بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يكن تراجع واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية لإيران تفصيلا عابرا في مشهد متوتر، ولا مجرّد انعكاس لتقلّبات رئيس اعتاد المفاجآت ، بل كان نتيجة مباشرة لتحرّك عربي خليجي محسوب ، أدرك مبكراً أن أي انزلاق عسكري جديد قد يفتح أبواب جحيم إقليمي يصعب إغلاقها .
ففي لحظة بدت فيها المنطقة على حافة مواجهة شاملة ، تقدّمت الدبلوماسية على منطق القوّة ، ونجحت ، ولو مؤقتا ، في تعطيل ساعة الحرب .
الموقف الأميركي المعلن، والقائل إن الرئيس دونالد ترامب ” لا ينوي مهاجمة إيران ” ، لا يمكن عزله عن حملة ضغط سياسية هادئة قادتها السعودية وقطر و سلطنة عُمان ومصر، انطلاقا من قناعة مشتركة بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مغامرات عسكرية إضافية ، ولا صدمات أمنية واقتصادية جديدة .
هذه الدول لا تدافع عن إيران بقدر ما تدافع عن استقرار الإقليم ، وعن مصالح شعوبها ، وعن توازن هش قد ينهار مع أول صاروخ طائش.
اللافت في هذا المشهد أن دول الخليج ، التي طالما وُضعت في موقع الساحات المفتوحة للصراع أو الأطراف المنخرطة فيه ، اختارت هذه المرة أن تؤدي دور خط الدفاع السياسي ضد التصعيد . الرسالة التي نُقلت إلى واشنطن كانت واضحة وصريحة : أي ضربة لإيران لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي ، ولن تكون ” نوعية ” كما يُسوَّق لها البعض ، بل ستتمدد لتطال القواعد الأميركية ، ومنشآت الطاقة ، وسلاسل الإمداد العالمية ، مع كلفة مباشرة على الاقتصاد الدولي ، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي ذاته .
غير أن هذا الاختراق الدبلوماسي لا يُخفي التناقض البنيوي في السلوك الأميركي .
ففي الوقت الذي يبعث فيه ترامب برسائل تهدئة إلى طهران ، ويؤكد عدم رغبته في الحرب ، تواصل إدارته توسيع سياسة ” الضغط الأقصى ” ، عبر فرض عقوبات جديدة واستهداف مسؤولين وشبكات مالية إيرانية .
هنا تتجسد الازدواجية الأميركية التقليدية : خطاب تهدئة في العلن ، وأدوات تصعيد على الأرض.
هذا التناقض لا يبعث برسائل طمأنة حقيقية ، لا إلى إيران ولا إلى دول المنطقة .
فالتجربة الإيرانية مع واشنطن علمتها أن وعود ” عدم الرغبة في الحرب ” كثيرا ما سبقتها ضربات مفاجئة ، وأن التهدئة اللفظية لا تعني بالضرورة تغييرا في النوايا الاستراتيجية . لذلك، فإن خفض مستوى التأهب في قاعدة العديد وإعادة انتشار الطائرات الأميركية لا يمكن قراءته إلا كتعليق مؤقت للخطر، لا كإلغائه .
في العمق، يكشف هذا المشهد عن تحوّل لافت في دور دول الخليج : من موقع المتلقي لارتدادات الصراعات ، إلى فاعل يسعى لإدارة المخاطر ومنع الانفجار.
هذا التحوّل لا تحرّكه مثالية سياسية ، بل براغماتية صلبة : فاستقرار الإقليم بات شرطا أساسيا للاستثمار والتنمية وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية ، وهي معادلة تدركها العواصم الخليجية اليوم بوضوح غير مسبوق .
أما إيران، فهي تقف أمام اختبار مزدوج : اختبار ضبط النفس في الخارج، واختبار إدارة أزمتها في الداخل .
فالقمع، مهما بلغ من الشدة ، لا يصنع استقراراً دائما ، ولا يمكن تسويغه إلى ما لا نهاية بخطاب السيادة والمؤامرة .
وفي المقابل، لا تستطيع واشنطن الادعاء بدعم ” حرية الشعب الإيراني ” بينما تستخدم العقوبات كسلاح جماعي يفاقم معاناة هذا الشعب نفسه.
الخلاصة أن المنطقة تعيش هدنة هشّة ، صنعتها الدبلوماسية لا الثقة، وفرضتها المخاوف لا التفاهمات .
وما لم يُترجم هذا التراجع عن الحرب إلى مسار سياسي حقيقي ومستدام ، فإن شبح المواجهة سيبقى ماثلا في الأفق، مؤجَّلا لا مُلغى، بانتظار لحظة اختلال جديدة في ميزان الحسابات.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية