تونس 33°C

19 جوان 2026

تونس 38°C

19 جوان 2026

الإخوان والتنظيمات مجرّد واجهة … الفكر هو الخطر الحقيقي !.

بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

يمثّل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي خطوة رمزية بالغة الدلالة .
خطوة تؤكد فشل التنظيمات الأيديولوجية في فرض ذاتها على الواقع السياسي والاجتماعي .
غير أنّ هذا القرار، على أهميته ، لا يعني نهاية الإسلام السياسي ، لأن سقوط التنظيم لا يوازي بالضرورة سقوط الفكرة.
فالإسلام السياسي لم يعد مجرد بنية تنظيمية أو شعارات عابرة ، بل تحوّل إلى منظومة فكرية متجذّرة في الوعي الجمعي ، تتسلل إلى اللغة ، وتفرض نفسها على أنماط التفكير ، بل وحتى على حدود ما نجرؤ على مساءلته في علاقة الدين بالسياسة والحياة .
انهارت التنظيمات عندما اصطدمت بالدولة وبالواقع، لكن الفكرة بقيت حية لأنها لم تُخضع لنقاش فكري عميق ، ولم تُفكك فلسفيا ومعرفيا ، بل جرى التعامل معها باعتبارها خطرا أمنيا ظرفيا . هكذا ، كلما تراجعت في العلن ، أعادت إنتاج نفسها في الخفاء ، متخفية بأقنعة جديدة ، أكثر مرونة ومراوغة ، وأكثر قدرة على التكيّف مع السياقات المتغيرة .
يعكس الإسلام السياسي التباسا مزمنا بين المطلق والنسبي ، بين الإيمان بوصفه تجربة روحية شخصية ، والحكم باعتباره فعلا إنسانيا خاضعا للمساءلة والتاريخ . إنه ” إسلام ” يحوّل الدين من سؤال أخلاقي مفتوح إلى برنامج حكم مغلق ، ومن علاقة حرّة بين الفرد وربّه إلى منظومة وصاية دائمة على الضمير والعقل .
في ظل غياب نقد معرفي شجاع ، يتصدّر رجل الدين المشهد لا لأنه الأجدر بالقيادة ، بل لأن السلطة نفسها لم تحسم بعد مسألة الفصل بين المعرفة والقداسة ، وبين الرأي الديني والسياسة العمومية .
في هذا المناخ الملتبس ، يتراجع دور المثقف والمفكر ، ويحلّ محلّه يقين زائف يتغذّى على الخوف من السؤال ، ويعتبر الاختلاف تهديدا لا ثراء .
تُشوَّه مفاهيم أساسية مثل العلمانية ، التي يفترض أن تحمي الدين من التوظيف السياسي ، وتحفظ الإيمان من الابتذال ، لتُقدَّم بوصفها عداء للدين لا ضمانة لحريته .
إن مواجهة الإسلام السياسي لا تختزل في الحلول الأمنية أو منطق القمع ، بل تتطلب معركة فكرية حقيقية تعيد طرح الأسئلة الجوهرية : ما معنى الدولة ؟ أين تنتهي سلطة الدين وتبدأ حرية الإنسان ؟ وما هو حق الفرد في الاختلاف والاختيار؟ .
المطلوب هو تعليم التفكير النقدي بدل التلقين ، وإعلام شجاع يصرّح ولا يلمّح ، واستعادة العقل بوصفه أداة للفهم لا خصما للإيمان .
الدولة الحديثة ليست امتدادا لعقيدة ولا انعكاسا لجماعة ، بل إطارا قانونيا يضمن الحقوق ، ويعترف بالتعدد ، ويحمي الاختلاف .
عندما يغيب هذا الفهم ، يتحول الدين إلى بديل عن القانون ، والهوية إلى بديل عن المواطنة ، ويصبح العنف قابلا للتبرير باسم الدفاع عن المقدّس .
في جوهره، الإسلام السياسي أزمة وعي قبل أن يكون أزمة تنظيم : أزمة تعليم يلقّن ولا يحرّر، وأزمة ثقافة تفضّل الطمأنينة الزائفة على قلق السؤال ، وأزمة إعلام يخشى المواجهة .
وكما أن القوة لا تهزم الأفكار، فإن تفكيكها ، وفهم آليات اشتغالها ، واستبدالها بأفكار أكثر عقلانية وإنسانية، يظل السبيل الوحيد لتحرير المجتمع من الوصاية والخوف والوهم .
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الدولة والتنظيم ، بل بين عقل يريد أن يرى ويُسائل ، و وعي يقبل التاريخ والتعدد ، وبين عقل يخشى السؤال و وعي يختبئ في الظل .
فإما أن ننجح في بناء إنسان حر قادر على التفكير والاختيار، أو نظل أسرى إعادة إنتاج الأزمة نفسها ، بأسماء جديدة وشعارات متبدّلة ، فيما يبقى الجوهر أسير الوهم والسيطرة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية