بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لا تبدو قمة ” بريدج ” ، التي انعقدت في أبوظبي بين 8 و10 ديسمبر 2025، مجرّد تظاهرة إعلامية ضخمة أو ملتقى مهني واسع ، بقدر ما تمثل منعطفا حاسما في إعادة هندسة المشهد الإعلامي العالمي .
فقد تحوّل بناء السرديات اليوم إلى أداة نفوذ تعادل في تأثيرها القوة الاقتصادية والصلبة ، في عالم تُعاد صياغة خرائطه على إيقاع الذكاء الاصطناعي ، وتتحكم فيه خوارزميات قادرة على إعادة تعريف الواقع ومعانيه.
منذ افتتاحها، قدّمت القمة نفسها كفضاء يتجاوز ” الاستعراض ” نحو عمل منهجي يسعى لتشكيل رؤى مشتركة حول مستقبل الإعلام.
فقد جمعت أكثر من 430 متحدثا من 45 دولة، موزعين على 300 جلسة ضمن سبعة مسارات تمتد من اقتصاد المحتوى إلى الأفلام والألعاب والتكنولوجيا.
هذه الأرقام ليست مجرد زخرفة تنظيمية ، بل تعكس وعيا إماراتيا متزايدا بأن مفاتيح القوة الحديثة تُصاغ في تقاطع الصناعات الإبداعية مع الخوارزميات والسلوك المعرفي للجمهور العالمي .
من بين اللحظات البارزة في اليوم الأول، استوقفتني الجلسة المغلقة التي نظّمتها اليونسكو تحت عنوان : ” تحالفات من أجل الشرعية والنزاهة في السرديات العالمية ” .
العنوان وحده يكشف تحوّلا عميقا : فالاستقرار لم يعد يُقاس بالمؤشرات العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل بقدرة الدول على مقاومة التضليل، وإدارة تدفقات رقمية هائلة، وإعادة بناء الثقة داخل فضاء عام تتسارع فيه المعلومات إلى درجة تربك قدرة الأفراد على التمييز بين الحقيقة وصورتها.
لم تقدّم القمة حلولا جاهزة، لكنها سعت إلى فتح حوار جدي بين الحكومات والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا والخبراء ، حول كيفية حماية المجال العام من فوضى رقمية تهدد شرعية المؤسسات ونوعية المعرفة نفسها.
كان لافتا في كلمة عبد الله بن محمد بن بطي آل حامد رئيس القمة تأكيده أن : ” لا قيمة لتقنية لا تخدم الإنسان، ولا معنى لابتكار بلا أخلاق “.
ما يبدو في ظاهره خطابا معياريا ، ينطوي في عمقه على موقف استراتيجي : الانتقال بالإمارات من دولة تستورد التكنولوجيا إلى دولة تشارك في صياغة أطرها الأخلاقية والتنظيمية. وهي رسالة تؤكد أن السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي لم يعد سباق أدوات، بل سباق قيم وقواعد.
وقد لخّص آل حامد روح القمة بقوله في الافتتاح : ” دعونا نصنع المستقبل الذي نطمح إليه… حيث تكون القصص جسورا تقرّبنا، لا حواجز تفرّقنا ” .
بهذه الجملة، تُعاد للقصة مكانتها كأداة من أدوات القوة الناعمة، وكوسيلة لتشكيل المخيال الجمعي ورسم الخرائط العاطفية والسياسية للعالم .
لا يمكن فصل النقاشات التي شهدتها القمة عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. فخلف موضوع ” نزاهة المعلومات ” تختفي أسئلة محورية :
من يصنع السرديات العابرة للحدود؟
من يحدد أولويات الخطاب العالمي؟
وكيف تُدار الحملات الرقمية التي باتت قادرة على التأثير في الانتخابات والأسواق وتشكيل ” حقائق ” لا تمت للواقع بصلة؟
اتفق الخبراء والمتحدثون على أن المعلومات أصبحت رافعة سيادية، وأن التحكم في تدفقها يعادل اليوم التحكم في الطاقة أو الأمن الغذائي. ومن هنا، صار بناء مناعة معرفية شرطاً من شروط استقرار الدول، لا مجرد رفاه فكري .
ما ميز هذه القمة أنها لم تكتف بتبادل الخبرات، بل سعت إلى إعادة رسم هندسة التعاون الدولي في بيئة يتشابك فيها الإعلام مع الأمن السيبراني، والتكنولوجيا مع الهوية، والمحتوى مع السياسات العامة.
إنها محاولة لبناء فضاء مشترك يمكن أن تتعايش داخله الدول وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية وفق قواعد جديدة لضبط الفضاء المعلوماتي العالمي.
تخرج القمة برسالة واضحة :
السرديات أصبحت أحد مجالات السيادة الحديثة.
وحماية الحقيقة، وإعادة بناء الثقة، وتحصين المجتمعات من التضليل، أصبحت عناصر أساسية في أي مشروع وطني للمستقبل.
تبدو أبوظبي اليوم أكثر من عاصمة إعلامية ، إنها مختبر لإنتاج السرديات ومساحة للتفكير في مستقبل القوة الرقمية. ومن خلال قمة بريدج 2025، تنتقل الإمارات من موقع المتابع إلى موقع المساهم في صياغة قواعد اللعبة الإعلامية خلال السنوات المقبلة ، قواعد ترتكز على التفاهمات ، وبناء الثقة ، وتثبيت السرديات التي تدعم الاستقرار وتمنع الانزلاق نحو فوضى رقمية عابرة للحدود.
وما بين أبوظبي والرياض والدوحة والقاهرة و الرباط ، يتشكل وعي عربي جديد بأن المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين هي معركة السرديات، وأن امتلاك القدرة على إنتاج المعنى أصبح ركنا من أركان النفوذ الاستراتيجي.
في هذا السياق، تضع أبوظبي نفسها في قلب التحول ، كمنصة تجمع بين الإرادة السياسية والإبداع الإعلامي ، وتعيد رسم ملامح القوة المعلوماتية للعالم العربي في زمن تتقدم فيه الأفكار على الحدود .




