بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
تُعدّ جائزة إيمي إحدى أرفع الجوائز العالمية التي ترسي معايير التميّز في صناعة التلفزيون ، وقد تحوّلت عبر العقود إلى علامة فارقة يقاس بها الإبداع والاحتراف في السرد البصري.
فهي ليست مجرّد تتويج رمزي، بل مرآة تعكس ما يعتبره العالم اليوم قمّة الجودة المهنية وقوة الحكاية التي تمسّ الإنسان قبل أن تصل إلى الشاشة.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتشتدّ فيه المنافسة بين المنصات ، تظلّ الإيمي الدولية معيارا صارما للأعمال المنتَجة خارج الولايات المتحدة، لا تمنح لقبها إلا لمن ينجح في الجمع بين الدقة والابتكار وعمق التأثير. إنها الجائزة التي تكافئ القدرة على تحويل القصص إلى ذاكرة حيّة، وعلى الارتقاء بالإنسان فوق ضوضاء السياسة وتقلّبات الحدث.
ضمن هذا المشهد، جاء تتويج شبكة الجزيرة ليضيف فصلا جديدًا إلى سجلها المهني. فقد فازت الشبكة بجائزة الإيمي الدولية لعام 2025 ضمن فئة الأخبار عن حلقة برنامج ” للقصة بقية ” بعنوان ” غزة.. البحث عن حياة ” في دورته الـ53، وهي من أهم الجوائز التي تُمنح للإنتاج التلفزيوني حول العالم.
هذا الفوز لا يكرّم عملًا صحفيًا فحسب، بل يكرّم رؤية إعلامية جعلت من الإنسان محورًا ومن الحقيقة منارة.
ويبرز في هذا النجاح حضور الإعلامية فيروز زياني، التي أصبحت إحدى أهم الأصوات في المشهد الصحفي العربي. فأسلوبها الهادئ والحاسم، وطريقتها في إدارة الحوارات الشائكة، وصياغة الأسئلة العميقة دون التفريط في الاحترام أو الاتزان، جعلوا منها نموذجًا للصحافية التي تجمع بين البعد الإنساني، والصلابة المهنية، والتمكن السردي.
حضورها ليس أداءً وظيفيا بل فعل وعي، ومساهمة في قراءة ما وراء المعلومة وصياغة خطاب يقترب من الناس بقدر ما يقترب من الحقيقة.
أما برنامج ” للقصة بقية ” فقد رسّخ مكانته ، على امتداد سنواته، كمنصة استقصائية جريئة تعيد ترتيب المشهد وتفتح الملفات التي اختارت جهات كثيرة أن تبقيها في الظل.
وفي حلقته الفائزة ، قدّم البرنامج سردا وثائقيا عميقا لوجوه الناس في غزة، ولحكايات النجاة تحت الركام ، وللإصرار على الحياة وسط العتمة.
لم تكن الحلقة مجرّد تغطية إخبارية، بل شهادة إنسانية تُوثِّق لحظة من الألم والصلابة، وتعيد للقصة وزنها وللناس وجوههم وصوتهم.
إن فوز ” الجزيرة ” بجائزة إيمي ليس حدثا احتفاليا فحسب، بل اعتراف عالمي بأن السرد الإعلامي العربي قادر على المنافسة والتميّز عندما يتسلّح بالمهنية والشجاعة واحترام عقل الجمهور.
ولعلّ أهم ما يحمله هذا الفوز من رسائل هو أن ما تقدّمه الجزيرة لم يعد مجرد عمل صحفي ، بل حفظ لحق الإنسان في أن تُروى قصته ، ونافذة يرى العالم من خلالها ما تخفِيه ضوضاء السياسة وغبار الحرب.


