تونس 22°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

الصفر: ما بين قمة النجاح وجبل الجليد الخفي .

بقلم – ابوبكر الصغير

نُعلن كل سنة عن الناجحين في امتحانات الباكالوريا، ونحتفي بهم كما يليق بمن اجتهد ونجح.
هم الواجهة المضيئة التي تبرز في عناوين الأخبار وتُباركها وسائل الإعلام.
لكن، خلف هذا المشهد الناصع، هناك أرقام تُخفى، ونتائج لا يُسلّط عليها الضوء كثيرا : آلاف الأصفار! أصفار في مواد أساسية كالفرنسية والإنجليزية، صادمة في معناها، مرعبة في دلالتها، وكأننا أمام جبل جليد لا يظهر منه إلا قمته الناجحة، بينما يغرق الجزء الأعظم في قاع الفشل.
الصفر… ليس مجرد رقم، بل هو قصة كاملة. قبل أن يصبح رقما يُدرّس، كان رمزا ، بل لم يكن موجودا أصلا في الوعي البشري. رقمه المتناهي في الشكل، الغريب في السلوك، يبتلع كل رقم يسبقه إذا وضع أمامه، لكنه يمنح عظمة وقيمة لأي عدد إذا جاء خلفه. إضافة الأصفار إلى يسار العلامة العشرية تصغّر من شأن الرقم، أما إضافتها إلى يمينه فتعظّمه.
هكذا هو الصفر: إمّا بداية النهاية أو نهاية البداية!.
والعرب، قبل أكثر من ألف عام، أدركوا عظمة هذا الرقم فضمّنوه نظامهم العددي ونشروه في أوروبا.
لكن، يا للمفارقة، يعود إلينا اليوم في شكل صادم : صفر في الفرنسية، وصفر في الإنجليزية، وآلاف الأصفار في الامتحانات الوطنية. هل يُعقل أن يكون آلاف التلاميذ في القرن الحادي والعشرين، في بلد متصل بالعالم، لا يفقهون شيئاً في لغات العالم؟! أرقام تتردّد همساً في الكواليس : 7000 صفر في الفرنسية، 5000 في الإنجليزية… أهي إشاعة أم حقيقة؟ ما أعلمه بيقين، أن وزير التربية الأسبق حاتم بن سالم كشف سنة 2017 عن مثل هذه الأرقام، عن هذه الكارثة.
فهل نحن بصدد إنسان الصفر؟ ذلك الذي تحدّث عنه الكاتب عز الدين المدني في روايته الشهيرة منتصف الستينات؟ هل أصبح الإنسان بلا لغة، بلا معرفة، بلا أداة تواصل مع العالم؟ أعلنها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يوما : “اللغة ليست أداة يفصح بها الكائن عن نفسه، بل هي مأوى الوجود”. إذا فقد الإنسان لغته، فقد وجوده.
نعيش في عالم معولم، حيث لم تعد اللغة خيارا بل ضرورة. من لا يُجيد لغات العالم، يعزل نفسه في قوقعة. من لا يُتقن لغة المعرفة، لا مكان له في المستقبل. اللغة اليوم هي جسر الحضارة، ومفتاح التقدّم، وبوصلة الانفتاح.
علماء التربية يُجمعون: تعلّم اللغات مهارة أساسية لا تقلّ أهمية عن الرياضيات والعلوم. فمن يتقن لغة، يفتح بابا على عالم جديد. أما من يفشل فيها حتى درجة الصفر، فذاك إنذار خطير.
هذا الصفر، الذي يظنّه البعض مجرد رقم عابر، قد يكون رسالة موجعة، نداء بأنّنا نخطو بثبات نحو هاوية جهل جديد، لا يشبه الماضي، بل أسوأ منه. هو ليس صفرا في اختبار فقط، بل صفر في الرؤية، في التخطيط، في الرهان على المستقبل.
ألسنا بحاجة إلى وقفة صريحة مع الذات؟ ألسنا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لسياساتنا التربوية؟ فصفر اليوم، إن لم نواجهه بوعي، قد يصبح عنوان جيل بأكمله.
أليس نصف العلم أخطر من الجهل؟ وأليس الصفر أحيانا أبلغ من كل الأرقام؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية