تونس 21°C

17 ماي 2026

تونس 38°C

17 ماي 2026

العراق الذي سكن قلبي ، جمال ينهض ، يهمس للروح .

بقلم : أ.حذامي محجوب ( رئيس التحرير)

أن تزور العراق ، فذلك أن تصغي لنبض التاريخ من قلب حيّ ، وأن تمشي على أرض تشهد كل حجر فيها على حضارة سبقت الزمن . في بغداد لا تلتقط الصور فقط ، بل تلتقط الروح ، حين تصل لا تكون مجرد سائح عابر ، بل ضيفا مرحّبا به في حضن مدينة تعرّفت على الجرح لكنها رفضت الاستسلام.

تستقبلك بغداد كما تستقبل الأم أبناءها العائدين من الغياب الطويل.
تستقبلك بحنوّ غير معلن، وبجمال صامد خلف ستار من الغبار.
في شوارعها، تمضي الشمس متكئة على مآذن ومساجد وكنائس وحدائق معلّقة بين الحلم والحنين.
عبق التاريخ يتسلل من جدرانها القديمة، وصدى الأغاني والتراتيل يرافقك عند عبور الجسور فوق دجلة، ذلك النهر الذي لا يزال يروي المدينة بصبر ووفاء.
ليست بغداد رمادية كما يصوّرها بعض الإعلام. هي مدينة من ضوء، فقط لمن يعرف كيف يرى.
بداخلها ، تكتشف بهجة الألوان في أقمشة السوق، في توابل البهارات، في لوحات الرسامين المنتشرين في شارع المتنبي، وفي حروف الشعراء المعلّقة على جدران المقاهي. وهنا، تكتشف المعنى الحقيقي للضيافة: فنجان شاي بنكهة الحنين، وسخاء يتدفّق من القلوب قبل الأيدي.
لكنّ الأجمل… هو المواطن العراقي . جَلدٌ، فخور، كريم، يحب الحياة رغم كل شيء.
في حديث عابر مع شاب في العشرين، تسمع حكاية وطن.
في ابتسامة امرأة تمسك بيد طفلها، ترى اختزالًا للمقاومة الهادئة. وما يثير الإعجاب أن هذا الشعب لا يعيش على أنقاض تاريخه، بل يصنع مستقبله بنفسه.
لقد شدّتني إرادة شباب العراق الذين يرفضون البقاء في مقاعد المتفرجين. يطالبون بمكانهم الطبيعي في المشهد السياسي، لا من باب الاستعراض، بل من منطلق الوعي بدورهم في إعادة بناء الدولة.
يزرعون بذور الأمل في المجتمع، يؤمنون بأن العمل المدني، والحوار، والتعليم، والعدالة، هي الأبواب الحقيقية لعراق جديد، أكثر إنصافًا وأقل ألمًا.
هنا يكمن سر العراق كوجهة سياحية فريدة: هو ليس فقط آثار بابل وكنوز المتحف الوطني، ولا حدائق الورود في الكاظمية، ولا مقاهي الشناشيل في البصرة… العراق هو تجربة شعورية، عاطفية، وجدانية. هو المكان الذي حين تزوره، يتغيّر فيك شيء. وكأنك لم تغادره، بل عثرت فيه على جزء ضائع منك.
في بغداد، لا سياحة بالمفهوم الاستهلاكي السريع، بل إقامة في حضن حضارة حيّة. كل زاوية تقودك إلى اكتشاف، كل طبق تقليدي هو قصة، كل حجر هو شاهد على قرون من الفن والمعمار والعقيدة.
وإن كنت تطلب سحرًا مختلفًا، فالعراق يمنحك ذلك السحر النادر : سحر الشعور بأنك في مكان لا يشبه أي مكان آخر .
غادرت بغداد وعلى كتفي عباءة من الذكريات، وعلى لساني رغبة صادقة : أن اصرخ ، ان أقول للعالم، تعالوا إلى العراق، لا لتشاهدوا الأطلال، بل لتلتقوا بالإنسان ، ولتعيشوا دهشة الحياة التي تنبض بين النهرين… بكرامة، بجمال، وبوعد لا ينكسر.
سلامٌ على بلد شقيق حبيب ما دامت الشمس تشرق،
وما دام في العيونِ دمعة شوق،
وفي الروحِ نبضة عشق تنادي :
يا عراق، يا جنة القلب، يا وطن الكبرياء .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية