بقلم: أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير . )
لم أكن أتصور أن زيارة مختصرة في ايام معدودات إلى بغداد ستترك في داخلي كل هذا الوهج و العشق و المحبة .
انها مدينة تكتب بالروح .. لا بالكلمات .
كنت أستعد للرحلة بعقل الصحفية الكاتبة المتأهبة، الحذرة، التي تمرّنها الأخبار على رصد التفاصيل ومقاربة الوقائع بحذر موضوعي.
لكن بغداد لم تتركني أكتفي بالنظر و المشاهدة ؛ بغداد تسحبك إليها، تدمجك في نسيجها، تجعلك تُحب ، تعشق وأنت لا تدري.
هناك مدن تُدهشك بمنشآتها أو بحداثتها، وهناك مدن تُذهلك بجمالها الطبيعي أو بتنظيمها العصري، لكن بغداد لا تعتمد على أيٍّ من ذلك.
سحرها من نوع مختلف… سحر ينبعث من عراقتها، من صبرها، من عطر التاريخ الذي يسكنها، ومن الوجوه التي لا تزال تحتفظ بضياء ما قبل العاصفة.
لم أشعر أنني في مدينة مهزومة، بل في مدينة نُهكت ثم نهضت، مثل امرأة قوية لا تُفصح عن ألمها، ولكنها تحتضنك بدفء الأم الحنون ، وتهمس في اذنك : “مرحباً بك… تأخرتِ كثيراً ”.
منذ اللحظات الأولى، تسللت إليّ مشاعر لم أختبرها في أيّ سفر.
شيء ما في بغداد يوقظ الحنين، حتى لمن لم يزُرها من قبل.
مشيت في الجادرية ، ثم الى المنصور حيث ينام شارع الأميرات على ضفة من الذكرى ، ومنها الى الكرادة ، حيث قصر عالية مازال يهمس بأسرار الملوك . تابعت سيري في شارع أبو نواس ، على ضفاف دجلة الذي يمضي بهدوء العارف، كأن النهر هنا ليس ماءً فحسب، بل ذاكرة تتدفق.
كل مكان في بغداد له صوت ، له رائحة ، له ظل.
سوق المتنبي لم يكن سوقاً، بل احتفالاً دائماً بالمعنى.
مكتباته، مقاهيه، وجوه روّاده… كل شيء هناك يتكلم ثقافة، ولا يُجيد الزيف.
جلست أستمع إلى نقاشات تدور بين كتّاب وقراء، بين عشاق الشعر واللغة، بين من يرفضون نسيان ما كانت عليه بغداد، ويؤمنون بما يمكن أن تكون عليه من جديد.
أما الطعام، فقد كان نافذتي إلى فهمٍ أعمق للمدينة. تجولت في المحلات ، في الأزقة والمطاعم التي تنبض بالحياة، وتذوقت أطباق لا تُشبِع المعدة فحسب، بل تُشبع الروح. الكباب البغدادي، السمك المسكوف، التمن العنبر، الدولمة ،الشاي المُعتّق بنكهة الهيل… كل طبق كان رواية ، وكل نكهة تحكي عن أرض تعرف الكرم والبساطة والتقاليد العريقة.
الناس هناك ؟ لا يسعني إلا أن أقول إن البغداديين هم الوجه الحقيقي للضيافة العربية. رغم كل ما مروا به، لم تُطفأ فيهم شرارة الترحيب.
يسألونك من أين أتيتِ، ويبادلونك الحديث بودّ خالص، لا تصنّع فيه ولا رياء. يفرحون بك كأنك عائدة من غياب، لا كغريبة عبرت الحدود.
ورغم ما يُشاع من خوف، فإن شعوري بالأمان كان عميقًا.
ربما لأن الأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بالكاميرات والحواجز، بل بالطمأنينة التي تسري في النفس حين ترى الناس يبتسمون، يعملون، يتسامرون، ويعيشون حياتهم كما لو أن السلام ممكن مهما طال انتظاره.
بغداد لا تزاحم المدن الأخرى على صدارة التصنيفات السياحية، ولا تعرض نفسها كوجهة ترفيهية، لكنها تُقدّم ما هو أثمن : تجربة إنسانية غنية، وإحساس نادر بالألفة والانتماء. من يزُر بغداد لا يبحث عن صورة يتباهى بها، بل عن ذاكرة يعيشها، وذكرى تحفظه.
خرجت من بغداد وأنا أحمل امتنانًا عميقًا. امتنان لمدينة علمتني أن الجمال لا يُقاس بالكمال، بل بالروح.
وامتنان لشعب لا يزال قادرًا على الفرح رغم كل شيء. وعدت لأقول للناس: لا تُصدّقوا كل ما يُقال، بل تعالوا بأنفسكم، وانظروا كيف تنبض الحياة من قلب المدينة التي قاومت وابتسمت.
لمن يبحث عن وجهة تحمل عمق التاريخ، وصدق المشاعر، وحرارة الاستقبال، فلتكن بغداد محطته القادمة.
لا تخافوا من عبور الصور النمطية، ولا تترددوا في منح أنفسكم فرصة لاكتشاف مدينة تنبض بالحياة على طريقتها.
في بغداد، لن تكونوا مجرد سائحين، بل شهودًا على مدينة تعيد كتابة مجدها و تاريخها و عظمتها و ذاتها بحبر من صبر ومحبة و أمل.
[



