تونس 30°C

11 جوان 2026

تونس 38°C

11 جوان 2026

الجزائر وفرنسا: أزمة تصعيدٍ أم إعادة ترتيب للنفوذ؟

بقلم ا.حذامي محجوب .

( رئيس التحرير).

بعد أشهر من التوتر الصامت والانفجارات الديبلوماسية، عادت باريس والجزائر إلى طاولة التواصل، في خطوة بدت كأنها محاولة إنقاذ للعلاقات الثنائية من الانهيار التام. زيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، إلى الجزائر في السادس من أبريل 2025، لم تكن مجرد تحرك ديبلوماسي عابر، بل نتيجة مباشرة لتشابك ملفات شائكة، من قضية الصحراء الغربية إلى ملف إعادة المهاجرين، مروراً بحادثة الاعتداء في مدينة مولوز.

بداية الأزمة تعود إلى الموقف الفرنسي المنحاز إلى الطرح المغربي بخصوص الصحراء الغربية، ما أثار غضب الجزائر وعمّق الهوة بين البلدين. ثم جاء اعتقال الكاتب بوعلام صنصال في الجزائر ليزيد من تعقيد المشهد، تزامناً مع توتر إعلامي وسياسي تصاعد بعد طرد المؤثر الجزائري “دوالمن” من الأراضي الفرنسية. حوادث متتالية أطلقت سلسلة من التصريحات الحادة من طرف مسؤولين فرنسيين، كان أبرزهم وزير الداخلية برونو ريتايو، الذي أصر على التصعيد واتّخذ موقفاً يميل إلى كسر التقاليد الديبلوماسية، حتى لو كان ذلك على حساب مبدأ الفصل بين الصلاحيات في الدولة.

لكن باريس، بقيادة إيمانويل ماكرون، قررت في لحظة ما أن تستعيد زمام المبادرة عبر القنوات الهادئة، بعيداً عن الأصوات الشعبوية. فبين الزيارات السرية للجهاز الديبلوماسي الفرنسي، وإعادة فتح قنوات التواصل، بدا أن فرنسا تسعى لإعادة ترتيب أوراقها في العلاقة مع الجزائر، بعيداً عن ضغوط الحملة الانتخابية داخلية أو تنافسات الحزب الجمهوري الفرنسي.

تجلى هذا التحول في رفض ماكرون العلني لإلغاء اتفاق 1968 الذي ينظم إقامة الجزائريين في فرنسا، معتبراً أن العلاقة مع الجزائر “ليست لعبة سياسية”. بل ذهب أبعد من ذلك حين وصف الحوار بـ”الندّي” ووجّه تحذيراً مبطناً إلى ريتايو مفاده أن السياسة الخارجية ليست من صلاحيات وزارة الداخلية.

وإذا كان ماكرون قد ربح جولة في الصراع الداخلي على توجيه دفة العلاقة مع الجزائر، فإن الثمن قد يكون خسارة دعم التيار المتشدد داخل حزبه، أو على الأقل تعميق الشرخ داخل المؤسسة التنفيذية. أما في الجزائر، فرغم التصعيد الذي رافق محاكمة صنصال، فإن الرئيس تبون عاد ليصف الأزمة بأنها “مفتعلة”، في ما بدا إشارة واضحة إلى الاستعداد لخفض منسوب التوتر والانفتاح على تسوية تحفظ ماء الوجه للطرفين.

اللافت أن التحول في اللهجة الجزائرية جاء بعد مكالمة هاتفية بين تبون وماكرون، تزامنت مع عيد الفطر، ووصفت بأنها “حوار بين ندين”، وهي لغة غير مألوفة في القاموس الديبلوماسي الجزائري الفرنسي منذ سنوات.

قد يرى البعض أن ما حدث مجرد عاصفة عابرة سرعان ما هدأت، لكن الحقيقة أن ما جرى يكشف إعادة رسم للنفوذ وتحديد جديد لأطر التعامل بين بلدين لطالما شكّلت العلاقة بينهما مزيجاً من التاريخ، والهيمنة، والذاكرة الجريحة. أما البعد الحقيقي للأزمة، فلا ينفصل عن التوازنات الإقليمية الجديدة، حيث تتقاطع ملفات الهجرة، والطاقة، والساحل الإفريقي، مع النفوذ المتزايد لقوى أخرى في المنطقة.

فرنسا تريد من الجزائر أن تلعب دور الشريك الأمني والمصدر المستقر للطاقة والمهاجرين الشرعيين. والجزائر، من جهتها، تريد اعترافاً كاملاً بمكانتها كقوة إقليمية مستقلة لا تتلقى التعليمات من باريس.

إنها معركة مصالح لا شعارات، وعندما تهدأ الأصوات المرتفعة، تبدأ السياسة الحقيقية في رسم الخرائط.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية