تونس 34°C

11 جوان 2026

تونس 38°C

11 جوان 2026

لبنان يستعيد ثقة العرب … والسعودية تترجم دعمها إلى أفعال .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لا يمكن قراءة قرار المملكة العربية السعودية استئناف استقبال الصادرات اللبنانية باعتباره مجرد خطوة اقتصادية أو إجراء تجاريا محدودا ، فالقيمة الحقيقية لهذا القرار تتجاوز أرقام التبادل التجاري وحركة الأسواق .
إنها رسالة سياسية واضحة تعكس عودة الثقة العربية بلبنان الدولة ، وتؤكد أن استعادة المؤسسات اللبنانية لدورها الطبيعي بدأت تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العلاقات مع محيطه العربي .
فقد جاء توجيه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باستئناف استقبال الصادرات اللبنانية استجابة للطلب الذي نقله كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ، في مؤشر يعكس عمق الاهتمام السعودي بلبنان ، وحرص المملكة على مواكبة الجهود الهادفة إلى إعادة بناء الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها .
ولم يكن هذا التجاوب مجرد استجابة بروتوكولية ، بل تعبيرا عن سياسة سعودية راسخة ترى في لبنان بلدا عربيا شقيقا ، وأن استقراره يشكل جزءا مهما من أمن المنطقة وتوازنها .
لقد مرّ لبنان خلال السنوات الماضية بمرحلة بالغة الصعوبة ، تراكمت فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية ، وانعكست على علاقاته العربية وعلى ثقة عدد من الدول الخليجية بقدرة مؤسساته على حماية مصالحها وضبط الحدود ومواجهة التحديات . لكن المرحلة الجديدة التي بدأت مع انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام تحمل إشارات مختلفة ، عنوانها عودة الدولة ومؤسساتها إلى الواجهة ، واستعادة لبنان لموقعه الطبيعي في محيطه العربي .
وفي هذا السياق ، يكتسب الاتصال بين الرئيس اللبناني و ولي العهد السعودي أهمية تتجاوز مضمون التواصل السياسي ، لأنه يجسد رغبة مشتركة في فتح صفحة جديدة عنوانها التعاون والثقة المتبادلة .
كما أن تجاوب الأمير محمد بن سلمان مع الطلب اللبناني يؤكد أن المملكة لا تنظر إلى لبنان من زاوية ظرفية أو حسابات ضيقة، بل من منظور تاريخي واستراتيجي يقوم على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
فالمملكة العربية السعودية لم تكن يوما بعيدة عن لبنان في محطاته الكبرى .
فمنذ عقود ، شكلت الرياض أحد أبرز الداعمين للبنان ، عبر الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية ، واحتضان اللبنانيين ، وفتح أبوابها أمام الطاقات اللبنانية ، والوقوف إلى جانب الشعب اللبناني في مختلف الظروف .
واليوم يأتي قرار استئناف الصادرات ليعيد تنشيط هذا الدور ، ويمنح الاقتصاد اللبناني فرصة جديدة لاستعادة جزء من حيويته بعد سنوات من الانكماش والتراجع .
كما أن هذه الخطوة تنسجم مع الرؤية التي تقودها المملكة في المنطقة، والقائمة على تعزيز الاستقرار والتنمية وتخفيف التوترات الإقليمية .
فالسعودية تدرك أن لبنان المستقر والقوي ليس مكسبا للبنانيين فقط ، بل عنصر أساسي في استقرار المشرق العربي بأكمله ، وأن دعم مؤسسات الدولة هو الطريق الأنجع لحماية الأمن وتحقيق التنمية .
ويؤكد الحراك الدبلوماسي المتواصل بين الرياض وبيروت ، وما رافقه من اتصالات بين المسؤولين في البلدين ، وجود إرادة حقيقية لإعادة بناء علاقة تقوم على الثقة والشراكة . فالعلاقة السعودية – اللبنانية ليست مجرد علاقة مصالح اقتصادية ، بل هي علاقة تاريخية ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، وكان لها دور في دعم التوازن العربي في المنطقة .
وإذا كانت السوق السعودية تمثل منفذا مهما للمنتجات اللبنانية ، فإن المعنى الأعمق لهذا القرار يكمن في رسالته السياسية والمعنوية : لبنان يعود تدريجيا إلى حضنه العربي، والدول العربية تريد له أن يكون وطنا سيداً مستقلا ، لا ساحة للصراعات ولا رهينة للتجاذبات الإقليمية ، بل دولة قادرة على حماية قرارها ومصالح شعبها .
إن التجربة تؤكد أن الطريق إلى الدعم العربي يمر عبر بناء الدولة وتعزيز سيادة القانون وترسيخ دور المؤسسات. وكل خطوة يخطوها لبنان في هذا الاتجاه ستفتح أمامه أبوابا جديدة من التعاون والاستثمار والانفتاح .
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية مرة أخرى أن علاقتها بلبنان ليست علاقة موسمية ، وأن دعمها لا يبقى في إطار المواقف والشعارات ، بل يتحول إلى أفعال ومبادرات عملية عندما ترى جدية في مسار الإصلاح واستعادة الدولة .
وهكذا تأتي الاستجابة السعودية الأخيرة لتقول بوضوح إن لبنان لم يفقد مكانته العربية، وإن اليد الممدودة إليه ماتزال قائمة ، شرط أن يواصل السير في طريق الدولة والمؤسسات والسيادة .
فحين يستعيد لبنان عافيته ، لا يربح اللبنانيون وحدهم ، بل تربح منطقة باكملها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية