تونس 32°C

11 جوان 2026

تونس 38°C

11 جوان 2026

مارين لوبان بين القضاء والشعبوية: هل القانون سلاح أم فخ سياسي؟

بقلم: حذامي محجوب

منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الفرنسية حكمها بإدانة مارين لوبان وثلاثة وعشرين من المتعاونين معها بتهمة اختلاس أموال عامة أوروبية من خلال توظيف مساعدين برلمانيين لصالح حزب الجبهة الوطنية، تحوّل هذا الحكم القضائي إلى حدث سياسي يتجاوز الحدود الفرنسية.

ما إن صدر الحكم حتى علت أصوات من عوالم السياسة والشعبوية العالمية. المجري فيكتور أوربان أعلن: «أنا مارين!». الملياردير الأمريكي إيلون ماسك استنكر ما أسماه “استغلالًا قضائيًا”، أما دونالد ترامب، فوجد في القضية صدى لأزماته القضائية، وعلّق بأن “هذا يشبه كثيرًا ما يحدث في أمريكا”. ومن موسكو، عبّر المتحدث باسم الكرملين عن قلقه من “انتهاك للمعايير الديمقراطية”. هكذا وُضع القرار القضائي الفرنسي في مرمى نار “الدولية الشعبوية”، التي ما فتئت تسعى لتصوير القضاء كمؤامرة لا كمؤسسة.

غير أن الحقيقة أكثر بساطة وصلابة. الحكم لم يكن إلا تطبيقًا لقانون مكافحة الفساد الصادر عام 2016 بعد فضائح كبرى هزّت الطبقة السياسية، كقضية كاهوزاك وتيفينو. القانون، الذي طُبق سابقًا على أسماء سياسية كبرى من اليمين واليسار على حد سواء، لا يميز بين تيار وآخر، بل يقف ضد كل من عبث بالمال العام.

مارين لوبان، زعيمة حزب لطالما قدّم نفسه على أنه البديل الأخلاقي للنخب الفاسدة، تجد نفسها اليوم في موقع المتهم، لا بسبب مواقفها السياسية، بل بسبب أفعالها القانونية. ومع ذلك، اختارت أن تنضم إلى خطاب التشكيك في القضاء، وادّعت أن “ملايين الفرنسيين سيُحرمون من مرشحهم”، كما لو أن العدالة تُقاس بعدد المؤيدين لا بعدد المواد القانونية المنتهكة.

اللافت أن ردود الفعل لم تأتِ فقط من حلفائها السياسيين، بل حتى من خصومها المفترضين. فرانسوا بايرو أبدى “اضطرابه”، في موقف يتجاهل مبدأ فصل السلطات. أما رئيس الوزراء الحالي، الذي واجه سابقًا اتهامات مشابهة في قضية مساعدين برلمانيين لحزبه “موديم”، فلا يزال مهددًا باستئناف قضائي، ما يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت مواقفه السياسية اليوم مدفوعة بالرغبة في تحصين حكومته من سيف الرقابة البرلمانية بقيادة نواب لوبان. وفي اليمين، عبّر لوران فوكوييه عن أسفه، ليس دفاعًا عن الحق، بل خوفًا من أن يستفيد برونو ريتايو من غياب لوبان في سباق الإليزيه. أما جان-لوك ميلانشون، الذي يفترض أنه يقف على الضفة الأخرى من الطيف السياسي، فقد وجد نفسه غارقًا في الدفاع عن خصمته، مدفوعًا على ما يبدو بخوف مشابه من محاسبة قضائية قريبة.

هكذا يتضح أن المشكلة لا تكمن في قرار العدالة، بل في الطريقة التي تسعى بها بعض النخب السياسية إلى حماية نفسها منه، تحت غطاء “إرادة الشعب” أو “الخطر على الديمقراطية”. لكن الحقيقة تبقى ثابتة: لا ديمقراطية بدون قانون، ولا قانون بلا مساواة.

مارين لوبان لم تُدان لأنها يمينية، بل لأنها خرقت القانون. وإذا كانت تطمح إلى رئاسة الجمهورية، فإن أول ما يجب أن تفعله هو احترام الجمهورية وقوانينها. لأن من يسعى إلى تطبيق القانون، عليه أن يكون أول من يخضع له.

القانون ليس سلاحًا سياسيًا، ولا فخًا انتخابيًا. إنه آخر حصون الديمقراطية في وجه موجات الشعبوية التي لا تعرف حدودًا.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية