بقلم : ا . حذامي محجوب .
في تطور سريع للأحداث في سوريا، شهد العالم انهيار نظام بشار الأسد بعد سنوات من الدعم الروسي. مع استيلاء المعارضة السورية، بقيادة “هيئة تحرير الشام” (HTC)، على مناطق استراتيجية وسيطرتها على العديد من المدن .
أُجبر بشار الأسد وعائلته على مغادرة البلاد، حيث وصلوا إلى روسيا التي وفرت لهم اللجوء السياسي.
منذ أن انشغلت روسيا بالحرب في أوكرانيا في عام 2022، بدأ نفوذها في سوريا يتقلص. فالقوات الروسية التي قلبت موازين الحرب لصالح الأسد منذ تدخلها عام 2015، لم تعد قادرة على تقديم الدعم العسكري المطلوب.
في الوقت نفسه، كانت المعارضة المسلحة تحقق تقدمًا سريعًا، حيث سيطرت على حمص وقطعت الطريق “M5” الواصل بين دمشق والساحل، مما جعل القواعد الروسية في طرطوس وحميميم في مرمى النيران. كما أن السفن الحربية الروسية غادرت ميناء طرطوس في خطوة وُصفت بأنها “إجراء احترازي”.
وفي ظل هذا التراجع، أصبح النظام السوري عاريا. وكما قال تشارلز ديغول: “العظمة تكمن في أن تقف وحدك إذا تطلب الأمر، دون أن تحتاج إلى من يسندك.” روسيا، التي كانت دائمًا هي السند الأكبر للأسد، وجدت نفسها اليوم غير قادرة على هذا الصراع، بسبب انشغالها بحروب أخرى. وقد أثرت الحرب الأوكرانية بشكل كبير على قدرتها على تقديم الدعم المستمر لنظام الأسد، خاصة وأن المعارضة أصبحت أكثر قوة وفعالية، حيث حصلت على صواريخ مضادة للطائرات، ما أعاق حركة الطائرات الروسية وأجبرها على التحليق على ارتفاعات عالية، مما قلل من دقة ضرباتها الجوية.
أما الجيش السوري، فقد أظهر ضعفًا كبيرًا على الأرض. إذ فشل في الحفاظ على المواقع الاستراتيجية، وانسحبت وحدات من جبهات القتال بشكل متكرر، مما أثار إحباطًا كبيرًا لدى القوات الروسية. إضافة إلى ذلك، فقد كانت الغارات الجوية الروسية عشوائية وغير فعالة، نتيجة لغياب التنسيق مع القوات السورية، وعدم توفر معلومات دقيقة حول تحركات المعارضة.
بينما كان النظام السوري يواجه هذه التحديات، جاء رد الفعل الروسي بطيئًا.
اليوم، بعد سقوط النظام، يلتزم المسؤولون الروس الصمت إزاء هذا التطور، بينما يُظهر المعلقون الروس قلقًا متزايدًا حول مستقبل قواعدهم في سوريا.
فقد أشار سيرغي مردان، المذيع الروسي البارز، إلى أن “فقدان حمص ودمشق يضع روسيا في موقف استراتيجي خطير، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا في خطوط إمدادها نحو إفريقيا” .
في الوقت ذاته، عبّر المدون العسكري إيليا تومانوف عن يأسه، قائلاً إن “الوجود الروسي في سوريا أصبح عبئًا، مع تعرض القواعد لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة ” .
وبالنظر إلى هذه التطورات، بات من الواضح أن موسكو قررت التخلي عن نظام الأسد،
بما بعكس تعقيدات المشهد السوري والضغوطات الدولية.
بعض التقارير تشير إلى أن روسيا اعادت تقييم دعمها للأسد نتيجة التحديات الإقليمية والدولية. أحد الأسباب المحتملة هو رغبة موسكو في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة .
استقبلت روسيا بشار الأسد وعائلته ومنحتهما اللجوء السياسي، وهو ما يعكس تحولًا كبيرًا في استراتيجيتها.
تخلت عنه موسكو في اللحظة التي بدأت فيها مصالحها تتعرض للتهديد.
كما يقول نيلسون مانديلا : “الاعتماد على قوة الآخرين يجعلك ضعيفًا في اللحظة التي يقررون فيها الانسحاب ” ،هذا بالضبط ما حدث مع بشار الأسد، حيث انسحبت روسيا من دعمه، ما أدى إلى انهيار النظام.
مع هذا التحول الكبير، يبدو أن سوريا تدخل حقبة جديدة من عدم الاستقرار، بينما تواجه روسيا تحديات كبيرة لإعادة تقييم نفوذها المتراجع في المنطقة.


1 Comment
جميل هذا التحليل و ما حصل حسب رايي يقدم لنا درس في الاعتماد على الذاة و عدم التعويل على الغير من القوى العظمى لتحقيق هدف ما و المستقبل للدولة المعرفية .