بقلم أبوبكر الصغير.
لم تعد الأرقام مجرّد إحصاءات باردة تتلى في نشرات الأخبار ، بل تحوّلت إلى صرخات موجعة تختزن في داخلها حكايات عواصم و مدن مذعورة ، وقلوب أبرياء مرتجفة ، وسماء عربية لم تعد آمنة كما كانت من قبل .
خمسة آلاف وخمسمائة وثمانية وخمسون صاروخا وطائرة مسيّرة … خلال واحد وثلاثين يوما فقط. رقمٌ مهول ، يكفي وحده ليعيد تعريف معنى العدوان ، لكن الأكثر وجعا أن 85 خمسة و ثمانين بالمائة من هذا الجحيم صُبَّ على دول. عربية ، أغلبها خليجية ، لا على العدو الذي طالما ادّعت طهران مواجهته.
هنا تحديدا ، تسقط كلَ الأقنعة. وهنا، يُطرح السؤال الحارق الذي يخشاه البعض : من هو العدوّ حقا ؟ .
كيف يمكن لعقل سياسي أن يبرّر توجيه هذا السيل من النار نحو أراض عربية ، فيما لم يُوجَّه سوى 15 % خمسة عشر بالمائة فقط من الهجمات نحو إسرائيل؟ .
كيف يمكن تفسير أن تُستهدف دولة خليجية شقيقة كالإمارات بمئات الصواريخ وآلاف المسيّرات ، وهي التي لم تكن يوما طرفا في حرب مباشرة مع إيران؟ بل حضنا آمنا لعشرات الالاف الإيرانيين الذين استقروا للعيش فيها .
ليست هذه مجرد مفارقة… انها سقوط و انقلاب اخلاقي كامل .
في الوقت الذي كانت فيه العواصم الخليجية تتحرّك بهدوء ، وتسابق الزمن لتجنيب المنطقة كارثة شاملة، عبر اتصالات دبلوماسية، وزيارات مكوكية ، و ضغط غير معلن ، و رسائل تطمين ، كانت طهران تختار لغة أخرى : لغة النار… لا الحوار . لغة التهديد… لا الجوار .
العرب – رغم كل الجراح – حاولوا أن يفتحوا نافذة لصوت العقل . سعوا إلى إقناع الولايات المتحدة بأن الحرب ليست قدرا ، وأن الدبلوماسية يمكن أن تكون مخرجا.
بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك ، حين أكدوا أنهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم منطلقا لضرب إيران ، في موقف يعكس حدا أدنى من المسؤولية التاريخية تجاه المنطقة .
لكن، ماذا و كيف كان الرد؟.
صواريخ ، مسيّرات ، وخطاب غطرسة مشبعٌ بوهم القوة .
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في طبيعة التفكير الذي يقود مثل هذا السلوك.
تفكير. يختزل القوة في القدرة على الإكراه ، ويقيس النفوذ بعدد الصواريخ ، ويتعامل مع الجوار باعتباره ساحة نفوذ لا فضاء تعايش و شراكة . وهذا ، في جوهره ، خطأ استراتيجي قاتل.
لأن الجغرافيا لا تُقصف ثم تُنسى .
ولأن الجوار لا يُدار بالتهديد، بل بالثقة .
ولأن الشعوب لا تنسى من استهدف أمنها وماءها وكهرباءها و بناها الأساسية و استقرارها ، وهدّد أبسط مقومات حياتها.
أي منطق هذا الذي يبرّر التلويح بتدمير محطات الطاقة وتحلية المياه في دول تعتمد عليها حياة عشرات الملايين؟ .
أي عقلٍ هذا الذي يرى في ترويع المدنيين و ارهابهم إنجازا ؟.
وأي مستقبل يمكن أن يُبنى على أنقاض علاقات مدمّرة مع محيط عربي سيبقى ، بحكم التاريخ والجغرافيا ، حاضرا لا يمكن تجاهله؟.
إن إيران، حين اختارت هذا الطريق ، لم تخسر فقط معركة سياسية أو موقعا استراتيجيا، بل خسرت شيئا أعمق بكثير ، خسرت اخوة !. خسرت ثقة شعوب كانت، رغم الخلافات ، ترى في الرابط الديني الإسلامي مساحة يمكن البناء عليها .
خسرت فرصة أن تكون جزءا من منظومة إقليمية مستقرة .
وخسرت ، قبل كل ذلك صورتها أمام تاريخ لا يرحم و لن ينسى عدوانها على امة عربية .
قد يظن صانع القرار في طهران أن القوة العسكرية قادرة على فرض المعادلات ، لكنه يتجاهل حقيقة بسيطة : القوةالتي تبنى على الخوف ، لا تدوم .
والنفوذ الذي يُفرض بالقصف، يتحوّل إلى عزلة .
في النهاية، ليست القضية صواريخ تُطلق وتنتهي ، بل مسار جديد كامل يُرسم للمنطقة.
إما أن يكون مسار شراكة وتوازن ، أو طريق صدام دائم، لا يخلّف إلا مزيدا من الرماد.
وما بين هذا وذاك…
يبقى السؤال معلقا في ضمير كل عربي : هل يعقل ان يكون الاخ هو مصدر خطرنا !.


