تونس 26°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

ترامب والقوة الناعمة: نهاية عصر الهيمنة الناعمة لأمريكا .

بقلم أ.حذامي محجوب ( رئيس التحرير)

في أوائل تسعينيات القرن الماضي، قدم جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، مفهوم القوة الناعمة، وهو القدرة على التأثير في الدول الأخرى بطرق غير قسرية، مثل الثقافة والقيم والدبلوماسية، بدلاً من استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية.
وقد مثلت هوليوود أبرز مثال على ذلك، حيث ساهمت في نشر صورة جذابة لـ”الحلم الأمريكي”، أكثر تأثيرًا من إرسال القوات العسكرية إلى الخارج.
هذا المفهوم لاقى رواجًا واسعًا، حتى أن ناي دُعي إلى الصين في التسعينيات لشرح كيف يمكن للحزب الشيوعي الصيني أن يعزز نفوذه عالميًا دون اللجوء إلى التهديد أو العنف.
لكن يبدو أن القادة الصينيين لم يستوعبوا الفكرة تمامًا.
لاحقًا، طور ناي نظريته لتشمل مفهوم القوة الذكية، الذي يجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية) وفقًا للظروف.
لكن مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، تعرض هذا المفهوم لاختبار صعب. فمنذ أن دخل البيت الأبيض، انتهج نهجًا مغايرًا تمامًا، متجاهلًا أسس القوة الناعمة، ومفضلاً أسلوبًا يقوم على الترهيب والتحدي.
لم يسع ترامب لكسب القلوب والعقول، بل اتبع سياسة تقوم على “الأفضل أن تُخشى بدلاً من أن تُحب”.
خلال فترة رئاسته، اتخذ ترامب سلسلة من القرارات التي عززت صورته كزعيم يميل إلى القوة الصلبة بدلًا من القوة الناعمة. فالمهاجرون غير الشرعيين تم تقييدهم وعرضهم أمام وسائل الإعلام قبل ترحيلهم على متن طائرات عسكرية، كما هدد الدنمارك بسبب غرينلاند، وبنما بشأن قناتها، وفرض تعريفات جمركية عقابية على دول اتهمها بـ”استغلال” سخاء الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، قام بتجميد المساعدات الخارجية دون سابق إنذار، مما أدى إلى اضطرابات كبيرة في الدول النامية. كما طرح فكرة مثيرة للجدل بشأن طرد مليوني فلسطيني من غزة إلى دول عربية، وهو اقتراح يعكس تجاهله الكامل للتوازنات السياسية في المنطقة.
سلوك ترامب يعكس عودة إلى دبلوماسية القرن التاسع عشر، حيث يُستخدم استعراض القوة كأداة رئيسية في العلاقات الدولية. فهو لا يكتفي بإظهار قوته، بل يسعى أيضًا إلى إثبات استعداده لاستخدامها.
عندما رفضت كولومبيا استقبال طائرات المهاجرين المُرحّلين، أجبرها ترامب على التراجع خلال ساعات، وهو ما اعتبره أنصاره انتصارًا .
كما لم يتردد في ممارسة الضغوط على مصر والأردن لقبول اللاجئين الفلسطينيين، مستخدمًا المساعدات الأمريكية كورقة ضغط، دون مراعاة الحساسيات الدبلوماسية.
لكن السؤال الأهم هو : إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن يكون فعالًا على المدى الطويل؟ لا شك أن الولايات المتحدة تمتلك الأدوات الاقتصادية والعسكرية لتنفيذ تهديداتها، ولكن اعتمادها المفرط على القوة الصلبة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
فمن خلال التخلي عن القوة الناعمة، تفسح واشنطن المجال أمام قوى أخرى مثل الصين وروسيا لملء الفراغ، مستفيدة من تراجع النفوذ الأمريكي القائم على الإقناع بدلاً من الإكراه.
لقد تغير المشهد العالمي، وبدلًا من تعزيز القوة الناعمة الأمريكية، جاء ترامب ليكتب شهادة وفاتها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية