بقلم – ابوبكر الصغير .
في لحظة بدت فيها المنطقة على حافة الانفجار ، حيث كان صوت النار أعلى من صوت الحكمة ، وحيث توهّم البعض أن الحروب تُصنع بالصخب وتُحسم بالشعارات ، جاء وقف إطلاق النار ليكشف حقيقة مغايرة تماما : لم يكن الأمر نهاية معركة فحسب ، بل كان إعلانا صامتا لانتصار من نوع آخر … انتصارٍ لا يُقاس بعدد الصواريخ التي اطلقت ، بل بقدرة العقل على كبحها .
لقد أرادت إيران هذه الحرب ، وخططت لها طويلا ، وأنفقت في سبيلها عقودًا من التمدد والنفوذ و التدخل ، حتى خُيّل إليها أن لحظة الحسم قد حانت .
لكنها، في النهاية، وجدت نفسها أمام واقع مختلف : ما بُني في سبعة وأربعين عاما ، تآكل في أيام معدودة ، لا لأن خصومها اندفعوا إلى المواجهة كما أرادت ، بل لأنهم رفضوا أن يُستدرجوا إلى حيث أعدّت لهم السقوط .
هنا تحديدا ، يتجلّى هذا الانتصار العظيم لدول الخليج .
لم ينتصر لأنه خاض الحرب ، بل لأنه اختار ألاّ يخوضها بالشروط التي فُرضت عليه .
راهنت قياداته على الصبر الاستراتيجي ، على امتصاص الصدمة بدل الانجرار إليها ، وعلى إدارة التوتر بدل الانفجار فيه .
وفي زمنٍ تُغري فيه الانفعالاتُ بالقرارات المتسرّعة ، كان التعقّل هو السلاح الأشد فاعلية .
انتصر الخليج حين وقف صلبا في وجه العاصفة .
آلاف صواريخ الغدر التي أمطرت مدنه، صواريخ استهدفت موانئه ومطاراته ومراكزه الحيوية ، لم تنجح في كسر إرادته ولا في زعزعة استقراره .
بل على العكس، كشفت للعالم حجم الجاهزية ، وكفاءة الجيوش الخليجية ، وقدرة الأنظمة على حماية شعوبها دون أن تفقد توازنها .
انتصر الخليج أكثر حين قدّم صورة نادرة في زمن الانقسامات : لحمة داخلية متماسكة بين القيادات والشعب .
لم نرَ فوضى، ولا انفلاتا، ولا غضبا منفلتا من عقاله .
كان هناك وعيٌ جمعي بأن المعركة ليست فقط في السماء ، بل الأهم ، في تماسك الداخل أيضًا . وهذا التماسك، في ذاته، كان أحد أعمدة النصر .
ثم جاء الانتصار الأعمق … الانتصار الإنساني .
فوسط أزيز الصواريخ، لم يتخلَّ الخليج عن وجهه الجميل الإنساني .
ملايين العاملين من الأشقاء والأجانب لم يُتركوا لمصيرهم ، بل كانوا جزءًا من دائرة الرعاية والحماية وعوملوا كمواطنين من اهل البلد .
وفي الوقت ذاته، لم تتوقف قوافل الرحمة و المساعدات نحو غزة و لبنان، وكأن الرسالة واضحة: الإنسانية لا تُعلّق حتى في زمن النار .
هكذا، لم يكن النصر ضجيجا ، بل كان هدوءا محسوبا .
لم يكن اندفاعا، بل كان اتزانا.
لم يكن تدميرا ، بل كان حفاظا على ما يجب أن يبقى .
لقد قدّم الخليج لنا جميعا درسا لن يُنسى : أن النصر الحقيقي لا يُصنع بالشعارات الجوفاء، ولا يُقاس بحجم الخراب، بل يُبنى بالحكمة، ويُصان بالعقل ، ويُترجم إلى استقرارٍ حين تضيع البوصلة عند الآخرين .
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وارتفعت فيه نبرة الغوغاء ، اختار الخليج أن يكون صوتا مختلفا … صوتا يُثبت أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب ، بل في القدرة على تجنّبها، والانتصار فيها دون أن تفقد نفسك .
وهكذا، حين سكتت المدافع ، نطقت الحكمة و تكلّم العقل … وكان الخليج هو المنتصر فعلا .

