تونس 23°C

8 أفريل 2026

تونس 38°C

8 أفريل 2026

العدو الحقيقي… ليس حيث تنظرون !.

-ابوبكر الصغير.

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح ، ولا كل الهزائم تأتي من الخارج .
في بعض الأحيان ، تبدأ الهزيمة من داخل الصف ، من لحظة شكّ ، من خطاب مضلل ، أو من عداوة عمياء تُوجَّه نحو الأقرب ، بينما يتقدّم الخطر الحقيقي بثبات وهدوء .
تحكي لنا وقائع التاريخ قصة القائد المغولي جنكيز خان حين حاصر مدينة بخارى ، عجز عن اقتحامها بالقوة ، فلجأ إلى أخطر سلاح : تفتيت الصف الداخلي . وعدَ بعض أهلها بالأمان والسلطة إن هم انقلبوا على إخوانهم .
انقسمت المدينة… فريق صمد ، وفريق اختار الرضوخ . وما إن انتهت المعركة ، حتى كان مصير الذين خانوا أهلهم الذبح ، لأن من يخون أهله مرة، لا يُؤتمن أبدًا .
ليست هذه الحكاية مجرد سرد تاريخي ، بل مرآة قاسية لواقعنا اليوم .
إلى الذين يقفون اليوم في عداء لدول الخليج الشقيقة ، ويُغذّون خطاب الكراهية تجاهها ، ويغضّون الطرف عن الخطر الحقيقي الذي يهدد المنطقة … إلى هؤلاء تحديدًا، يجب أن تُروى هذه القصة مرارا .
ففي الوقت الذي تتعرض فيه المنطقة لمحاولات اختراق وهيمنة من قبل إيران ، عبر أذرعها الممتدة في أكثر من ساحة عربية ، مايزال البعض يختار معركة خاطئة، ويوجّه سهامه نحو أشقائه ، بدل أن يقرأ المشهد كما هو .
انظروا إلى لبنان كيف تحوّل من دولة مؤسسات إلى ساحة نفوذ .
وانظروا إلى سوريا كيف استُنزفت أرضًا وشعبًا.
وفي العراق كيف تآكلت الدولة تحت وطأة الانقسامات.
أما اليمن ، فصار جرحا مفتوحا تتقاسمه الولاءات المتصارعة .
ليست هذه مجرد أحداث عابرة ، بل مسار واضح لمشروع يقوم على استغلال الهشاشة ، وتغذية الانقسامات ، وبناء النفوذ على أنقاض الدول .
انَ المفارقة المؤلمة أن بعض الأصوات العربية، بدل أن تدرك هذا الخطر ، تنخرط ، بوعي أو بدونه ، في نفس اللعبة التي لعبها جنكيز خان قبل قرون : إضعاف الداخل ، وتمزيق الصف ، وفتح الأبواب أمام الخارج .
إن الخلاف مع دول الخليج ، إن وُجد ، يجب أن يبقى في إطار الرأي والسياسة ، لا أن يتحول إلى عداء أعمى يُسقط البوصلة .
فهذه الدول الشقيقة ، مهما اختلفنا معها ، تبقى جزءًا من نسيج المنطقة ، واستقرارها من استقرار الجميع .
ان التاريخ لا يرحم السذّج.
ولا يغفر لمن يخطئون في تحديد العدو.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة … أن تعيد أخطاء بخارى ، ولكن هذه المرة بوعي كامل .
فالذين صفّقوا للغريب يوما، كانوا أول ضحاياه.
والذين يهاجمون أشقاءهم اليوم … قد يكتشفون متأخرين أنهم مهّدوا الطريق لمن لا يؤمن إلا بمصالحه.
إنها ليست دعوة للصمت، بل دعوة للوعي.
وليست دفاعًا عن طرف، بل دفاع عن فكرة :
أن الأوطان لا تسقط حين تُهاجم فقط … بل حين تنقسم على نفسها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية