نابل – عرب 21 :
في زمنٍ تُقاس فيه العلاقات بين الدول بلغة المصالح الباردة ، يطلّ مشهدٌ مختلف من تونس ، مشهدٌ دافئ ، إنساني ، تتقدّمه مفاتيح بيوت ستر و عز ، لكنها تحمل في طيّاتها معنى كبيرا : الكرامة.
في ولاية نابل، لم يكن تسليم 74 وحدة سكنية مجرد إجراء إداري أو رقم يُضاف إلى تقارير التنمية ، بل كان لحظة إنسانية خالصة . لحظة انتقل فيها الحلم من الانتظار الطويل إلى واقع ملموس .
أبواب تُفتح، ليس فقط على جدران وسقف، بل على حياة جديدة لأسر تونسية ، أكثر استقرارا ، وأكثر أمانا.
هناك، حيث وقف سفير خادم الحرمين الشريفين لدى تونس، الدكتور عبدالعزيز بن علي الصقر ، إلى جانب وزير التجهيز والإسكان السيد صلاح الزواري، لم يكن الحدث بروتوكوليا بقدر ما كان رسالة .
رسالة تقول إن الأخوة العربية لا تزال قادرة على أن تتجسد في أبسط وأعمق أشكالها : بيتٌ يأوي عائلة ، ويعيد لها الإحساس بالانتماء.
فكم من أمٍّ تونسية كانت تنتظر هذا المفتاح لتغلق خلفها أبواب قلق ؟ ، وكم من طفل سيجد أخيرًا غرفةً تخصّه ، يكتب فيها أحلامه دون خوف من ضيق المكان أو قسوة الظروف؟ هذه ليست مساكن فقط ، هذه بدايات جديدة تُبنى من الطمأنينة .
المشروع، الذي موله الصندوق السعودي للتنمية بقيمة 150 مليون دولار حوالي 430 مليار تونسي ، ليس مجرد رقم اقتصادي، بل هو امتدادٌ لتاريخ طويل من الدعم، تجاوز 1.3 مليار دولار اي اكثر من ثلاثة الاف مليار منذ سبعينيات القرن الماضي .
لكنه، قبل كل شيء، هو تجسيد لفكرة أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان ، من حقّه في أن يعيش بكرامة.
وفي عالمٍ يضجّ بالأزمات والانقسامات ، تبدو مثل هذه المبادرات كأنها ضوء صغير ، لكنه كفيل بأن يبدّد عتمةً كبيرة .
فهي لا تعيد فقط تشكيل الأحياء، بل تعيد ترميم الثقة، وتُذكّر بأن التضامن العربي ليس شعارا، بل فعلٌ يُقاس بمدى ما يلامس حياة الناس.
ربما لن تُغيّر 74 وحدة سكنية وجه العالم، لكنها غيّرت عالم 74 اسرة . وهذا وحده كافٍ ليمنح لهذا الحدث معنى يتجاوز كل الأرقام.
لأن البيت ليس جدرانًا…البيت كرامة.
والكرامة، حين تُهدى، تُصبح أخوّة لا تُنسى أبدا .


