بقلم : أ – حذامي محجوب( رئيس التحرير).
لم تعد إسرائيل تخفي قلقها من التحوّل المتسارع في مواقف الرأي العام الأمريكي .
تراجعت مستويات التعاطف التقليدي معها ، خصوصا داخل الأوساط الشبابية، وهو تغيّر بات من الصعب تجاهله أو إنكاره .
وفي مواجهة هذا المنعطف ، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن إطلاق ما سمّاه ” الجبهة الثامنة ” أو ” معركة الحقيقة ” ، وهي حملة واسعة هدفها استعادة المبادرة في ميدان الصورة والوعي والتأثير النفسي عبر منصات التواصل الاجتماعي .
ورغم أن تل أبيب لطالما أولت الإعلام التقليدي عناية استثنائية ، فإنّ صعود الفضاء الرقمي والانتشار الهائل للمحتوى البديل خلقا تحديا لم يكن في الحسبان . فكما قال نتنياهو نفسه: ” الأسلحة تتغير عبر الزمن… واليوم السلاح الأهم هو وسائل التواصل الاجتماعي ” .
المنصات الرقمية ، من إنستغرام وتيك توك وX إلى فيسبوك ويوتيوب ، باتت مسرحا مفتوحا لعشرات آلاف الشهادات التي تقوّض الخطاب الرسمي الإسرائيلي . فصور الأطفال المشوّهين، ونداءات العائلات المحاصرة ، والتقارير المستقلة التي توثّق يوميا ما يجري على الأرض ، جعلت من الصعب قبول السردية الإسرائيلية القديمة : أن كل شيء مشروع باسم ” حق الدفاع عن النفس ” .
هذه المواد الخام التي ينتجها المواطنون والصحفيون المستقلون أفرزت رأيا عاما عالميا أكثر تشكيكا، وأكثر تحرّرا من الرواية الواحدة .
أمام هذا الواقع ، تحركت إسرائيل بشكل هجومي لاستعادة السيطرة على ساحة التأثير .
فقد تمّ تكليف شركات مختصة بضخ كميات هائلة من المحتوى الموجّه للشباب الأمريكي، بالتوازي مع إنشاء مواقع وصفحات تهدف إلى توجيه نتائج أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGrok .
أما المؤثرون الرقميون، فباتوا جزءا أصيلا من هذه الحملة، حيث تُشترى منشوراتهم بآلاف الدولارات لتمرير رواية واحدة بشكل جذاب وسهل الاستيعاب.
لكن السيطرة لا تتعلق بالنشر فقط ، بل أيضا بالإخفاء. فخوارزميات المنصات تعمل ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، على فرز ما يجب أن يصله الجمهور وما يجب أن يُدفن في العمق .
وتزداد هذه المعركة تعقيدا على منصات مثل تيك توك، التي تُعد مصدرا رئيسيا للمعلومات لدى الشباب الأمريكي .
ورغم اتهامات اللوبيات المؤيدة لإسرائيل لهذه الشبكة بأنها ” تغسل عقول الشباب ” ، فإن الواقع يؤكد أن ظهور المحتوى المؤيد للفلسطينيين لم يكن سوى انعكاس لفعل المستخدمين أنفسهم ، ولغضب الواقع الذي يصوّرونه.
في الخلفية، يلعب الدعم الأمريكي دورا لا يقل أهمية. إذ يتيح دعم إدارة الرئيس دونالد ترامب لرجال الأعمال والشركات الرقمية الكبرى توسيع نفوذهم داخل المنصات ، والوصول إلى كميات ضخمة من البيانات الشخصية والسياسية للمستخدمين.
والغاية واضحة : توجيه النقاش العام داخل الولايات المتحدة بما يخدم المصالح الإسرائيلية ، وإعادة تشكيل المزاج الشبابي الذي بات يُظهر تعاطفا متزايدا مع الفلسطينيين .
ورغم كل هذه القدرة التكنولوجية ، تبقى التحديات أكبر مما تبدو. فجيل اليوم ، جيل المنصات والمصادر المتعددة ، لم يعد يقبل أن يقاد بخطاب واحد. لقد اكتسب هذا الجيل أدوات تفكيك الروايات، والبحث عن الحقيقة خارج القنوات الرسمية، والانحياز لمن يملك الدليل والوثيقة والصورة .
في نهاية المطاف، تتحوّل ” الجبهة الثامنة ” إلى معركة تتجاوز صراع الروايات ، لتصبح مواجهة بين سلطة تملك أدوات التأثير، وجمهور يملك أدوات المعرفة.
إنها حرب غير مرئية ، بلا رصاص ، لكنها الأكثر تأثيرا على تشكيل الرأي العام وصياغة المشهد السياسي خلال السنوات القادمة.


