بقلم : أبوبكر الصغير.
سيكتب التاريخ بأحرف من ذهب ، أن شعوب الخليج ، في وجه العدوان الإيراني ، لم تنكسر أمام الصواريخ ولا ارتبكت أمام تهديداتها ، بل وقفت شامخة كالنخيل ، عظيمة الإرادة ، حارسة امينة لأرضها وكرامتها ، تُحوّل الألم إلى قوة ، و الخطر إلى وحدة لا تُقهر أبدا .
ففي زمن يُفترض أن تُصان فيه السيادة وتُحترم فيه حدود الدول ، تعود إيران لتؤكد ، مرة بعد أخرى ، أنها اختارت طريق التصعيد بدل التهدئة ، وطريق الفوضى بدل الاستقرار . و طريق الغدر بدل احترام الجيرة و الانتماء .
ما تشهده دول الخليج العربي هذه الفترة ، من الكويت إلى الإمارات ، ومن السعودية إلى عُمان وقطر والبحرين ، ليس مجرد حوادث عابرة أو ردود أفعال ظرفية ، بل هو نمط ممنهج من الاعتداءات التي تهدد الأمن الإقليمي برمّته .
انّ تصريحات وزير الخارجية الكويتي ، جراح جابر الأحمد الصباح ، لم تأتِ من فراغ، بل عبّرت عن واقع خطير اصبح يتكرّر يوميا ، حيث تتحوّل المسيّرات والصواريخ الباليستية إلى أدوات ضغط سياسي وعسكري ليس تجاه عدو بل ضدّ شقيق جار مسلم ، اسلحة دمار تُستخدم بلا اعتبار للقانون الدولي أو لأمن الشعوب و سلامتها .
إن توصيف الوزير الكويتي لما تقوم به إيران بأنه : “ توظيف للفوضى والإرهاب كأدوات نفوذ ” ، ليس توصيفًا سياسيا فحسب ، بل تشخيص دقيق لاستراتيجية تقوم على زعزعة الاستقرار بدل بنائه .
إن استهداف دول شقيقة عزيزة علينا مثل الكويت و السعودية و الإمارات و قطر و البحرين و سلطنة عمان و كذلك الأردن و العراق و لبنان ، ومحاولات ضرب أمنها الداخلي عبر الطائرات المسيّرة و بالصواريخ ، يمثل تجاوزا خطيرا لكل الخطوط الحمراء و يرتقي إلى ارهاب دولة .
فدول الخليج ، التي عُرفت تاريخيًا بسياسة الاعتدال والدبلوماسية ، تجد نفسها اليوم مضطرة للدفاع عن سيادتها في وجه اعتداءات متكررة ، وهو حق مشروع لا نقاش فيه و لا خلاف .
لكن الأخطر من كلّ ذلك ، هو أن هذه الاعتداءات لم تعد تستثني أحدا في الخليج ، ما يكشف عن مخطّط عدواني خطير و عن نية واضحة لتوسيع دائرة التوتر وفرض واقع إقليمي جديد بالقوة .
الإمارات العربية المتحدة، التي رسخت نموذجا للتنمية والاستقرار، والسعودية، التي تمثل اهم ركيزة أساسية في أمن المنطقة و استقرارها ، و الكويت و ما تمثله من نموذج صادق في الاخوة و التآزر العربي إلى جانب سلطنة عُمان وقطر والبحرين ، جميعها أصبحت أهدافًا مباشرة أو غير مباشرة لهذه السياسة العدوانية الإيرانية .
إن استهداف هذه الدول ليس فقط اعتداء على سيادتها ، بل هو اعتداء على فكرة الدولة المستقرة في العالم العربي ، وعلى أي أمل في بناء منطقة آمنة ومزدهرة .
ما يحدث منذ أواخر حوالي خمسة اسابيع ، من هجمات يومية بالطائرات المسيّرة والصواريخ ، يكشف أن الأمر لم يعد يحتمل الصمت أو التبرير .
فحين تتحول الاعتداءات إلى “ روتين يومي ”، فإننا أمام تصعيد خطير يستوجب موقفا عربيا ودوليا حازما، يضع حدًا لهذه الانتهاكات و يعيد الاعتبار لمبدأ السيادة .
إن دول الخليج لم تكن يومًا دعاة فتنة او حرب ، بل كانت دائما في مقدمة الداعين للحوار والاستقرار . غير أن الإصرار الإيراني على انتهاج سياسة العدوان و التصعيد يضع المنطقة أمام مفترق طرق خطير : إما الرضوخ لمنطق الفوضى ، أو التمسك بحق الدفاع المشروع وبناء جبهة موحدة تردع كل من يحاول العبث بأمنها .
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع قائم على الفوضى أن يصمد أمام إرادة الدول في حماية أمنها واستقرارها .
وما تقوم به إيران اليوم لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والتوتر ، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى العقلانية لا المغامرة ، وإلى السلام لا الصواريخ .


