تونس 9°C

2 أفريل 2026

تونس 38°C

2 أفريل 2026

أحمد الشرع… حين تنقلب الجغرافيا على التاريخ.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

بعد عام كامل على انهيار نظام بشار الأسد ، ودخول أحمد الشرع إلى بغداد بصفته رئيسا للمرحلة الانتقالية ، تبدو الحاجة ملحّة للعودة إلى قراءة الرجل الذي صعد إلى الواجهة في واحدة من أكثر اللحظات هشاشة وإرباكا في تاريخ سوريا المعاصر . فظهور الشرع، القادم من تخوم إدلب، في مقعد السلطة بدمشق لم يكن امتدادا طبيعيا لمسار سياسي تقليدي ، بل نتاجا لزلزال قلب خرائط القوة في المنطقة، وأعاد صياغة معادلات الداخل السوري والخارج المحيط به. ما يثير الانتباه في مسيرة الشرع ليس انتقاله من قائد فصيل مقاتل إلى رئيس انتقالي ، بل تمكنه من استثمار لحظة إقليمية فارقة : محور إيراني يفقد زخمه، روسيا غارقة في حرب طويلة تبتلع قدراتها، وتركيا تعيد رسم حدود نفوذها في الشمال السوري. في ظل هذا الفراغ الذي افرزه تراجع اللاعبين الكبار أكثر مما افرزته ديناميات الثورة ، وجد الشرع منفذا ليصبح لاعبا لا يمكن تجاوزه. اليوم، وبعد سنة على دخوله بغداد، يتعامل معه العالم بوصفه ” الرئيس الممكن ” ، لا ” الرئيس النموذجي ” : رجل خبر لغة السلاح ، لكنه أدرك باكرا أن لغة الدولة تنتمي إلى عالم آخر. قوته الحقيقية لا تكمن في ماضيه العسكري، بل في قدرته على فتح قنوات تفاهم مع خصوم الأمس ، من واشنطن إلى تل أبيب ، رغم ما يثيره ذلك من حساسيات داخل قواعده التقليدية.

فالشرع يدرك أن استعادة سوريا لدورها الطبيعي لن تتم إلا عبر الاقتراب من الرياض وواشنطن، وتخفيف الارتباط بظل طهران وموسكو الذي خنق مستقبل الدولة لعقود.
ومع ذلك، فإن الانتقال لم يكتمل بعد. فهناك من يرى أن الشرع لا يزال يتحرك بعقلية الجولاني، وأن محيطه الأقرب يتصرف بمنطق ” التنظيم ” لا بمنطق الدولة. هذا رأي موجود وله ما يبرره، لكنه ليس حكما نهائيا ، فالرجل نفسه يبدو واعيا بأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى خريطة سياسية أكثر رحابة، وإلى دولة قانون تتسع لكل السوريين، لا دولة ولاءات ضيقة.
الشرع يدرك أن الشرعية المقبلة لن تُبنى بالمدافع ، بل بقدرة القيادة على هندسة مصالحة وطنية توقف النزيف العميق بين مكوّنات أتعبتها الحرب : السنة والعلويين ، العرب والأكراد ، والفئات الاجتماعية التي باتت تبحث فقط عن دولة عادية، مستقرة ، تحمي أبناءها وتضمن مستقبلها.
هذا التحدّي ، لا مجرد إسقاط الأسد ، هو الامتحان الحقيقي لرجل يريد أن يثبت أنه تجاوز صورته القديمة كرجل جبهات.
اليوم، بعد عام على سقوط النظام السابق ، لم يعد ممكنا تجاهل اسم أحمد الشرع . فهو بات مركز ثقل في لحظة تتداعى فيها توازنات عمرها عقود ، وتولد أخرى جديدة من رماد الحرب.
والمفارقة أن الطريق نحو سوريا جديدة ، يمر عبر رجل خرج من أكثر الفصول قتامة ، لكنه يبدو قادرا ، إن أحسن قيادة التحول ، على إعادة وصل سوريا بالعالم، وبخاصة بمحيطها العربي.
الطريق لا يزال طويلا ، لكن الأبواب ليست مغلقة.
فقد أثبت تاريخ المنطقة أن السلاح يفتح أبواب القصور، لكن بناء الدولة يحتاج مؤسسات، ويحتاج قائدا قادرا على تجاوز ظله وتاريخه . ويبقى السؤال معلّقا في هواء اللحظة : هل يملك أحمد الشرع القدرة على إتمام هذا التحوّل، ومنح السوريين الدولة التي انتظروها لعقود ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية