تونس 30°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

بوتين في 7 أكتوبر : عيد ميلاد زعيمٍ يحلم بالخلود .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في زمنٍ يتشبّث فيه القادة بالكراسي كما لو كانت جزءا من أجسادهم ، يبدو فلاديمير بوتين المثال الأوضح لذلك الحلم الغامض بالخلود .
في السابع من أكتوبر، وهو يحتفل بعيد ميلاده الثالث والسبعين، واصل عمله كالمعتاد ، كما لو أن مرور الزمن لا يعنيه .
المشهد الذي روّجت له وكالة تاس الرسمية الروسية بدا مقصودا : زعيم لا يعرف الإرهاق و التعب ، لا يعرف الراحة و الإجازة ، ولا يعرف التوقف و لو لحيز زمني قصير .
حتى المتحدث باسم الكرملين ، ديمتري بيسكوف ، زاد في رسم صورة ” الرئيس الأبدي ” حين قال إن بوتين ” لا يأخذ عطلة لأن وظيفة رئيس الدولة لا تسمح بذلك ” .
لكن وراء هذا ” التفاني ” الظاهري يكمن هاجس أعمق بكثير: الخوف من الفناء.
بوتين، الذي تخطّى متوسط العمر المتوقع للرجال في روسيا ( 68 عاما فقط )، يتعامل مع الزمن كعدوّ ينبغي إخضاعه. لم يكتف بالتمسك بالحكم منذ عام 2000، بل ضمن ، عبر التعديلات الدستورية لعام 2020 ، إمكانية البقاء في السلطة حتى عام 2036 ، حين سيبلغ الثالثة والثمانين.
لعل أكثر اللحظات كاشفية كانت تلك التي تسربت من لقائه الأخير بنظيره الصيني شي جينبينغ في بكين.
تحدث الزعيمان السبعينيان عن ” الخلود العلمي ” وإمكانية أن يعيش الإنسان حتى 150 عاما .
قال شي ضاحكا إن من يبلغ السبعين اليوم ” ما يزال طفلا ” ، فردّ بوتين عبر مترجم بأن ” زرع الأعضاء قد يجعل الإنسان أصغر سناً، وربما خالدا ” .
جملة عابرة، لكنها تختصر ذهنية زعيمٍ يرى في الطب والتكنولوجيا وسيلة لتأجيل النهاية ، تماما كما يرى في السلطة وسيلة لتأجيل الرحيل.


الهوس بالبقاء لم يعد فكرة شخصية، بل تحوّل إلى سياسة دولة.
فروسيا في عهد بوتين ضاعفت تمويل أبحاث مكافحة الشيخوخة ست مرات . وتشرف على أحد أهم هذه المشاريع ابنته الكبرى ، الطبيبة ماريا فورونتسوفا، التي تدير برنامجا علميا لتجديد الخلايا وإطالة العمر، وتشارك في قيادة المشروع الوطني الروسي لعلم الوراثة ، بميزانية تتجاوز المليار يورو.
من الصعب فصل طموح بوتين البيولوجي عن طموحه السياسي .
الرجل الذي شبّه يوما الهندسة الوراثية بالقنبلة النووية يدرك اليوم أن السيطرة على الحياة والموت ، في المختبر أو في الدولة، وجهان لعملة واحدة : البقاء.
البقاء في الجسد… والبقاء في الحكم.
في النهاية، يبدو بوتين كمن يخوض معركتين في آن واحد : معركة ضد الشيخوخة، ومعركة ضد الزمن السياسي. كلاهما يعكسان إرادة واحدة لا تهرم ، إرادة الهيمنة التي تسعى إلى تجاوز حدود الإنسان ذاته .
كأن من يمسك بالسلطة طويلا ، لا يكتفي بأن يعيش أطول … بل يريد أن ينتصر على الموت أيضا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية