تونس 35°C

20 جوان 2026

تونس 38°C

20 جوان 2026

عُمان … حكمة الدبلوماسية في زمن الحرب وبوصلة الشرق الأوسط الجديد .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في لحظات الأزمات الكبرى ، لا تُقاس قوة الدول دائما بحجم ترسانتها العسكرية أو بقدرتها على خوض المواجهات ، بل بقدرتها على قراءة التحولات ، وحماية مصالحها ، وتحويل الأزمات إلى فرص .
ومن هذا المنظور ، تبدو التجربة العُمانية خلال الحرب الأخيرة على إيران نموذجا لسياسة هادئة استطاعت أن تحافظ على موقعها ، بل وأن تعزز حضورها في معادلة إقليمية شديدة التعقيد .
فبينما انجرفت المنطقة نحو منطق الاصطفافات الحادة ، اختارت مسقط طريقا مختلفا : طريق الوساطة ، والاتزان ، والحفاظ على قنوات الحوار مع جميع الأطراف .
هذا الخيار الذي بدا للبعض في بداية الأزمة وكأنه موقف استثنائي أو بعيد عن التيار السائد ، بدأ لاحقا يُنظر إليه باعتباره رؤية استراتيجية حكيمة بعيدة المدى .
ففي الأيام الأولى للحرب ، وعندما انخرط عدد من دول المنطقة في ترتيبات أمنية وعسكرية مرتبطة بالمواجهة مع إيران ، حافظت سلطنة عُمان على مسافة محسوبة من الصراع .
لم تكن هذه المسافة موقف ضعف أو ترددا ، بل امتدادا لعقيدة دبلوماسية عُمانية تأسست منذ عقود على مبدأ التوازن وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى قطيعة نهائية .
لقد أدركت القيادة العُمانية أن موقع السلطنة الجغرافي ، المشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ، يجعلها بحاجة أكثر من غيرها إلى الاستقرار والحوار . كما أدركت أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على تجاهل إيران ، كما لا يمكن أن يقوم على صراع دائم معها .
ولهذا حافظت مسقط على علاقة عملية مع طهران ، وفي الوقت نفسه أبقت على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والدول الخليجية الشقيقة لها .
هذه القدرة على التواصل مع أطراف متعارضة جعلت منها ، في كثير من الأزمات السابقة ، جسرا سياسيا لا ساحة مواجهة .
اليوم، ومع تغير موازين القوى وظهور ملامح شرق أوسط جديد ، يرى عدد من المراقبين أن عُمان قد تكون من أبرز المستفيدين من هذا التحول الكبير .
فالدور الذي كانت تمارسه منفردة ، والمتمثل في إبقاء باب الحوار مفتوحا مع إيران ، أصبح أكثر أهمية في ظل حاجة المنطقة إلى ترتيبات أمنية جديدة تقوم على خفض التوتر لا على التصعيد.
ويرى محللون أن صعود الدور العُماني يكشف تحولا أوسع في المنطقة : انتقال تدريجي من منطق المحاور المغلقة إلى منطق إدارة المصالح والتوازنات .
فالدول الخليجية نفسها باتت أكثر اهتماما بالتنمية والاستثمار والاستقرار ، وهي أهداف تحتاج إلى بيئة إقليمية أقل توترا .
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط برنارد هيكل أن النهج العُماني القائم على المصالحة مع إيران أصبح أقرب إلى الخيار الذي بدأت دول خليجية أخرى تتبناه .
إن نجاح مسقط لا يعود فقط إلى الظروف الدولية ، بل إلى مدرسة سياسية كاملة تقوم على الهدوءد، وعدم الاستعراض ، وتقديم المصالح الوطنية طويلة المدى على ردود الفعل الآنية .
فقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية الصامتة يمكن أحيانا أن تكون أكثر تأثيرا من الخطابات الصاخبة .
لقد اختارت سلطنة عُمان ألا تكون طرفا في عاصفة المنطقة ، بل أن تكون من الدول القادرة على التعامل مع ما بعد العاصفة . وفي عالم يتغير بسرعة ، قد تكون هذه هي القوة الحقيقية : أن تعرف متى تتقدم ، ومتى تحافظ على المسافة ، ومتى تجعل من الحكمة أداة نفوذ.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية