ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تكشف الحروب دائما ما هو أبعد من ساحات المعارك و المواجهة .
فهي لا تختبر فقط القدرات العسكرية ، بل تكشف أيضا طبيعة الدول ، وعمق رؤيتها ، وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص تاريخية .
لقد أظهرت التطورات الأخيرة في المنطقة أن دول الخليج العربي لم تعد تلك الدول التي تُعرّف فقط بثرواتها أو بموقعها الجغرافي ، بل أصبحت قوى إقليمية صاعدة تمتلك مشروعا سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا يتجاوز حدود اللحظة .
ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به دول الخليج هو ضرورة التفكير بمستقبلها من منطلق أولوياتها الوطنية المستقلة نسبيا عن أجندات القوى الكبرى .
فالعالم يتغير ، وموازين القوة لم تعد تُبنى فقط على السلاح ، بل على الاقتصاد ، والتكنولوجيا ، والابتكار ، والقدرة على صناعة النفوذ .
إن المشروع الحقيقي للخليج اليوم ليس الدخول في سباقات حروب لا تنتهي ، بل بناء دول قوية من الداخل ، واقتصادات متقدمة، ومجتمعات قادرة على المنافسة عالميا .
وهو مشروع واضح في التحولات التي تقودها المنطقة ، خصوصا تحت قيادة المملكة العربية السعودية التي أصبحت تتحرك برؤية أوسع لدور الخليج في القرن الحادي والعشرين .
فالسعودية اليوم لا تنظر إلى الخليج كساحة صراع ، بل كمنطقة يجب أن تتحول إلى مركز عالمي للاستثمار والطاقة الحديثة والتكنولوجيا والخدمات والربط بين القارات .
هذا الطموح لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بيئة مستقرة ونظام أمن إقليمي جديد يقوم على احترام مصالح جميع الدول المطلة على الخليج .
لقد أثبتت الأزمات أن أمن الخليج ليس قضية عسكرية فقط ، بل هو شرط أساسي للتنمية والازدهار .
فالاستقرار أصبح مصلحة وجودية لدول المنطقة ، لأنه الحاضنة التي تسمح ببناء المدن المستقبلية ، وجذب الاستثمارات ، وتحقيق التحولات الاقتصادية الكبرى .
وما يميز المرحلة الجديدة أن الخليج يمتلك اليوم جيلا من القيادات أكثر وعيا بتعقيدات العالم ، وأكثر قدرة على الجمع بين القوة والحكمة ، وبين حماية السيادة والانفتاح على الشراكات الدولية .
لهذا فإن الخليج الذي يخرج من هذه المرحلة لن يكون الخليج الذي دخلها . سيكون أكثر قوة و نضجا، وأكثر استقلالية في قراره، وأكثر حضورا على الساحة الدولية .
فالأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تواجهه من عواصف ، بل بما تبنيه بعدها .
والخليج ، بقيادة المملكة العربية السعودية، يملك فرصة تاريخية ليكون أحد أهم مراكز القوة والازدهار في العالم اليوم .



