ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
حين يغادر السفراء البلدان ، يتركون خلفهم عادة صورا بروتوكولية وبيانات دبلوماسية باردة .
لكن هناك رجالا نادرين لا يرحلون من ذاكرة الشعوب ، لأنهم لم يكونوا مجرد ممثلين لدولهم ، بل كانوا وجوهًا للوفاء والأخوة والإنسانية .
ومن هؤلاء دون شك، الدكتور عبد العزيز بن علي الصقر، سفير المملكة العربية السعودية الذي يودّع اليوم تونس بعد سنوات من العمل الدبلوماسي الراقي ، تاركا وراءه محبة صادقة وأثرا عميقا في قلوب التونسيين.
لم يكن الرجل سفيرا عابرا مرّ من هنا ثم مضى ، بل كان أقرب إلى أخٍ كبير لتونس ، يحمل في حضوره دفء المملكة العربية السعودية وصدق مشاعر شعبها تجاه الشعب التونسي .
فقد عرفه التونسيون بابتسامته الهادئة ، بتواضعه ، بقربه من الناس ، وبذلك الاحترام الكبير الذي أظهره لتونس دولة وشعبا وثقافة وتاريخا .
وخلال فترة عمله ، تحولت السفارة السعودية في تونس إلى مساحة للمحبة والتقارب ، لا مجرد مؤسسة دبلوماسية .
كان حاضرا في المناسبات الوطنية والثقافية والإنسانية ، قريبا من الإعلاميين والمثقفين والجامعيين والفنانين ، يفتح الأبواب ويصنع الجسور ويؤمن أن العلاقات الحقيقية بين الدول تُبنى أولًا بين القلوب .
لقد نجح السفير الدكتور عبد العزيز بن علي الصقر في أن يمنح الدبلوماسية معنى إنسانيا نادرا ، فصار اسمه مرتبطًا في تونس بالأناقة الأخلاقية قبل البروتوكول السياسي . ولم يكن غريبًا أن يحظى بكل هذا التقدير الرسمي والشعبي عند انتهاء مهامه ، بعدما أشادت شخصيات تونسية عديدة بالدور الكبير الذي لعبه في تعزيز العلاقات بين البلدين الشقيقين .
لقد أحبّه التونسيون كما لم يحبّوا سفيرًا قبله ، لأنهم رأوا فيه صورة الرجل العربي النبيل الذي يحمل الاحترام دون تكلف ، والمحبة دون مصلحة ، والوفاء دون ضجيج .
كان وفيا لتاريخ العلاقات السعودية التونسية ، ومؤمنا بأن الأخوة بين الشعوب لا تُقاس فقط بالاتفاقيات، بل بالمواقف والمشاعر والصدق .
واليوم، بينما يطوي آخر صفحات مهمته في تونس، لا يشعر التونسيون بأن سفيرًا يغادر، بل كأن قطعة جميلة من ذاكرتهم تغادر معه. سيغادر الدكتور عبد العزيز بن علي الصقر، لكن صورته ستبقى في ذاكرة كثيرين ، لأنه نجح في أصعب مهمة يمكن أن يحققها أي دبلوماسي: أن يكسب محبة شعب بأكمله .
وفي زمن أصبحت فيه العلاقات بين الدول تُقاس بلغة المصالح الباردة ، جاء هذا السفير ليذكّر الجميع بأن الأخلاق وحدها قادرة على صناعة الخلود في ذاكرة الشعوب .

