تونس 33°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

الإمارات : مشروع هادئ في زمن العواصف.

بقلم – ابوبكر الصغير .

في هذا العالم الذي يضجّ بالتحوّلات الحادّة ، ويكاد يختنق من فرط التناقضات، تبرز دولة الإمارات بوصفها استثناءً هادئًا … استثناء لا يقوم على الصخب ، بل على حكمة التقدير ، ودقّة الحساب ، ووضوح الرؤية .
ليست سياسة الإمارات الخارجية وليدة لحظة ، ولا هي مجرد ردّ فعل عابر على أزمات متلاحقة ، بل هي امتدادٌ لمشروع قديم ، تشكّل عبر سنوات من التبصّر ، واستند إلى قناعة راسخة بأن الاستقرار ليس ترفًا سياسيًا ، بل شرط وجود .
هذا المشروع ، وعلى خلاف كثير من المشاريع الاخرى المتشابكة ، يتسم بقدر لافت من البساطة والانسجام مع الذات ، فلا ازدواجية في الخطاب ، ولا مغامرة في الاتجاهات ، بل وضوح يقترب من الصرامة ، وثبات يلامس اليقين .
بنت الإمارات سمعتها الدولية على عنصر نادر في عالم السياسة : الفعالية . تلك الكلمة التي تبدو تقنية في ظاهرها ، لكنها في الحقيقة تعبير عن أخلاق دولة .
فحين تلتزم دولة الإمارات بموقف ، فإنها لا تكتفي بإعلانه، بل تذهب به إلى أقصى درجات التنفيذ سياسيًا ، إنسانيًا ، ودبلوماسيًا .
وهذه الموثوقية هي التي جعلت العديد من صانعي القرار في الغرب ينظرون إليها كشريك يُعتمد عليه ، لا كشريك ظرفيّ تحكمه تقلبات المزاج أو الحسابات الضيقة .
أما على المستوى السياسي ، فإن جوهر المشروع الإماراتي يتمحور حول فكرة مركزية : حماية الاستقرار كقيمة عليا .
فالإمارات لم تنظر يومًا إلى الفوضى باعتبارها فرصة ، بل رأت فيها تهديدًا وجوديًا للدول والمجتمعات .
ومن هنا، كان موقفها الحاسم من موجات الاضطراب التي اجتاحت أجزاءً من العالم العربي ، موقفٌ لم ينبع من حسابات آنية ، بل من قراءة عميقة لتجارب دول انهارت حين استُبيح استقرارها .
لقد عبّرت الإمارات بوضوح عن هذا الخيار، حين وضعت خطوطًا حمراء أمام كل ما يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى ، خاصة عندما تتخفّى هذه الفوضى خلف شعارات أو تتغذى من تنظيمات مؤدلجة مثل جماعة الأخوان للمسلمين التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لبنية كل دولة وطنية ولمفهومها الحديث .
ولم يكن هذا الموقف انعزالًا أو تشددًا بقدر ما كان تعبيرًا عن فلسفة سياسية ترى أن السلام لا يُبنى بالشعارات ، بل بحماية المؤسسات ، وبمنع الانزلاق إلى المجهول . لذلك، لم تكتفِ الإمارات برفض الفوضى، بل سعت ، في المقابل ، إلى ترسيخ نموذج بديل : نموذج دولة مستقرة ، فاعلة ، منفتحة على العالم ، لكنها حازمة في الدفاع عن ثوابتها .
هنا فقط و تحديدًا، تتجلّى فرادة التجربة الإماراتية .
فهي ليست مشروع قوة تقليدي ، ولا مشروع نفوذ عابر للحدود ، بل مشروع توازن : بين الطموح والواقعية ، بين الانفتاح والحذر ، بين الحضور الدولي والانسجام الداخلي .
وهذا التوازن هو ما منح الامارات ذلك القبول الدولي الواسع ، وجعلها في نظر كثيرين ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي و حتى العالمي .
لهذا ، قد تختلف القراءات ، وتتباين التقييمات ، لكن ما يصعب إنكاره هو أن الإمارات اختارت طريقًا واضحًا ، طريقًا لا يراهن على الفوضى، ولا يساوم على الاستقرار، ولا يتردد في ترجمة مواقفه إلى أفعال. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الوعود وتقلّ فيه الإنجازات ، تبدو هذه الفلسفة ، ببساطتها وصرامتها، واحدة من أكثر الرهانات واقعية في محيط إقليمي أنهكته المغامرات .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية