بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن القرار الذي اتخذته جامعة الملك سعود بإلغاء عدد من التخصصات والبرامج في كلياتها ، مثل اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع ، مجرد إجراء أكاديمي عابر، بل شكّل لحظة مفصلية أطلقت نقاشًا واسعًا تجاوز أسوار الجامعة ، ليصل إلى عمق المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية .
فهذه التخصصات لا تُختزل في كونها مسارات تعليمية ، بل تمثل ذاكرة المجتمع، ووعيه الجمعي، وأدواته لفهم ذاته وتحولاته.
وسرعان ما تحوّل القرار إلى قضية رأي عام ثقافي، حيث تفاعل معه المثقفون والأكاديميون والإعلاميون في مشهد جماعي لافت، عكس حسًا عاليًا بالمسؤولية تجاه المعرفة والهوية .
ولم يكن هذا التفاعل انفعاليًا أو رافضًا لفكرة التطوير، بل جاء في صيغة دفاع عقلاني عن ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات التحديث وصون العلوم الإنسانية ، باعتبارها ركيزة أساسية في أي مشروع نهضوي .
وقد كشفت لغة النقاش عن عمق التحولات التي تشهدها المملكة ، حيث باتت الحجة العلمية والكلمة الرصينة أدوات تأثير حقيقية في الفضاء العام .
غير أن اللحظة الأهم لم تكن في صدور القرار، بل في ما تلاه ، إذ جاء التراجع عنه ليؤكد أن المؤسسات القوية لا تتردد في مراجعة خياراتها حين يبرز صوت معرفي جدير بالإصغاء. ولم يكن هذا التراجع تعبيرًا عن ضعف، بل تجسيدًا لمرونة القرار، ودليلًا على اقتراب المسؤولين من نبض المجتمع، واستعدادهم للتفاعل مع آراء نخبته الفكرية .
في هذا السياق ، تبدو هذه الحادثة كاشفة عن ملامح مرحلة جديدة، مرحلة لا يُهمَّش فيها المثقف، بل يُستدعى ، ولو ضمنيًا ، كشريك في صياغة التوجهات الكبرى . وهو ما يعكس نضجًا متزايدًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع ، قائمًا على التفاعل لا الإملاء، وعلى الحوار لا القطيعة .
إن ما جرى في جامعة الملك سعود لا يمكن قراءته كواقعة معزولة ، بل كجزء من حراك أوسع تعيشه المملكة ، حيث تتشكل معادلة دقيقة بين الإصلاح والتوازن ، بين التحديث والحفاظ على الجذور .
معادلة تؤكد أن التنمية لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى احترامها للعقل، واحتضانها للتنوع المعرفي .
وهكذا، يغدو “ الرجوع عن القرار ” فعل قوة لا ضعف ، وخيارًا يعكس ثقة في الذات المؤسسية ، وإيمانًا بأن الإصغاء ليس تنازلًا ، بل أحد شروط الحكم الرشيد .



