بقلم أبوبكر الصغير.
في زمن يعلو فيه صوت الصواريخ أكثر من صوت العقل ، وتصبح فيه المنطقة رهينة لحسابات الحرب ، تظهر المملكة العربية السعودية مرة أخرى كصوتٍ للحكمة، وكجسر يعبر فوق نيران الصراعات نحو أفق أهدأ وأكثر أمناً.
التقارير الدولية الأخيرة تتحدث بوضوح عن مساع سعودية جادة لإنهاء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ، مساعٍ لم تكتفِ بالتصريحات الدبلوماسية ، بل بدأت بخطوة شجاعة : التواصل المباشر مع القيادة الإيرانية. إنها لحظة سياسية ثقيلة بالمعاني ، لحظة تعيد إلى الأذهان الدور التاريخي للمملكة عندما تشتد العواصف وتحتاج المنطقة إلى من يمسك بميزان العقل .
لم يكن هذا التحرك مفاجئاً لمن يعرف مكانة المملكة في العالمين العربي والإسلامي . فالثقة التي تحظى بها قيادتها، والثقل السياسي والاقتصادي والديني الذي تمثله، جعلاها طرفاً قادراً على مخاطبة الجميع دون استثناء . ولهذا وجدت مبادرتها صدى وقبولا لدى أطراف عديدة، لأنها ببساطة صادرة عن دولة تعرف كيف توازن بين القوة و الحكمة، وبين المصالح الوطنية ومسؤولية القيادة الإقليمية.
ومع دعم أشقائها في دول الخليج، تتشكل اليوم ملامح فرصة حقيقية للتهدئة ، فرصة لإعادة الأطراف المتصارعة إلى طاولة المفاوضات، بعد أن كادت المنطقة أن تنزلق إلى هاوية حرب لا يعرف أحد حدودها ولا نهاياتها.
لكن ما يجعل هذه المبادرة أكثر نبلا وسموا هو أن المملكة تجاوزت جراح الماضي. فالتاريخ لا ينسى ما تعرضت له من اعتداءات وأذى من دولة مسلمة شقيقة ( ايران ) ، ومع ذلك اختارت الرياض أن ترتفع فوق الألم، وأن تقدم مصلحة الأمة على حساب الذاكرة المثقلة بالمرارة . هنا تظهر عظمة الدول الحقيقية : حين تنتصر للحكمة بدل الانتقام، وللمستقبل بدل الأحقاد.
إنها لحظة ستتوقف عندها كتب التاريخ طويلاً. سيكتب المؤرخون أن المملكة العربية السعودية، في لحظة اشتعال كبرى في الشرق الأوسط، اختارت أن تكون صانعة سلام لا طرفا في النار، وأن تمد يدها لإطفاء حرب كان يمكن أن تلتهم المنطقة بأكملها.
سيذكر التاريخ أن الرياض لم تكن فقط عاصمةً للقرار ، بل عاصمة للعقل أيضاً.
شكرا للمملكة العربية السعودية…
وشكراً لقيادتها التي تذكر المنطقة دائماً بأن الحكمة، حين تتجسد في دولة، يمكن أن تصبح قوة أعظم من الحرب نفسها.



