تونس 22°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

حين يغيب المرشد … من يحكم إيران : العمامة أم البندقية؟.

بقلم أبوبكر الصغير.

في السياسة لا تشكل عادة الأمور غير المنطقية عقبة .
ليس الفراغ الذي تعيشه إيران اليوم مجرد مازق دستوري عابر ، و لا مجرد تعطيل او تأخر تقني في انتخاب خليفة للمرشد الأعلى علي خامنئي .
إنّه فراغ يكشف اهتزاز الفكرة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ ثورتها سنة 1979 ، ويطرح سؤالا وجوديا : من يحكم إيران حين تتعثر العقيدة في إدارة الدولة ؟.
لأول مرة منذ عقود تبدو طهران وكأنها تعيش لحظة صمت مريب ، ثقيل .
المؤسسات موجودة ، والسلطة قائمة، لكن مركز القرار غائب ، غائم .
فاختيار المرشد الخليفة لم يعد مجرد إجراء داخلي تقوم به هيئة الخبراء ، بل تحوّل إلى عقدة سياسية وأمنية إقليمية ودولية بدات تظهر انعكاساتها على مآلات الحرب ، حتى إنّ الرئيس الأمريكي ترامب بدأ يلمّح إلى رغبته في أن يكون له رأي في شخصية المرشد الإيراني القادم ، باعتباره الرجل الذي سيتحكم في مفاتيح الحرب والسلام في المنطقة .
لكن المفارقة الأخطر ليست في التدخل او الضغط الخارجي ، بل في المأزق الفكري الذي تعيشه ايران اليوم نفسها.
من مفارقة و سخرية التاريخ أن التشيع السياسي وُلد أصلا من أزمة الفراغ .
فبعد القتل المتتالي لأئمة الشيعة ، نشأت فكرة الامام الغائب كحل ميثولوجي لإنقاذ السلسلة الروحية من الانقطاع .
قيل إن الإمام الثاني عشر قد غاب خوفا من القتل ، وأنه سيعود في زمن ما ليملأ الأرض عدلا !!.
كان ذلك بدعة او حلا عقائديا لأزمة سياسية راهنة .
لكن المشكلة أن هذا الحل لم يكن صالحا لقيام دولة تتوفر فيه كلّ اشتراطات الديمومة .

عندما وصل آية الله الخميني إلى السلطة ، أدرك أن انتظار الإمام الغائب لا يمكن أن يسيّر و يدير بلدا بحجم إيران ، فوجد الحل في نظرية ولاية الفقيه : رجل دين معصوم يتولى القيادة مؤقتا بصفته نائباً عن الإمام الغائب، حتى عودته .
هكذا تحوّل الفقيه إلى “ إمام و قائد سياسي ”، يجمع في يده السلطة الدينية والعسكرية والسياسية و كل قرارات الحكم .
غير أنه و بحكم التطورات و ما آلت اليه الأوضاع الداخلية في ايران اصبحت هذه النظرية نفسها تعيش أزمتها الخاصة .
فالولي الفقيه الذي يفترض أن يكون مركز القرار المطلق بات بدوره مهددا بأن يصبح “ إماماً غائبا ”.
باعتبار الخوف من استهدافه في ظل الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعقيدات الحرب الحالية ، وضعف الشخصيات القادرة على وراثة الهيبة الدينية والسياسية معا ، بما جعل فعلا عملية اختيار المرشد الجديد معقدة إلى حد غير مسبوق .
لهذا و غيره تبدو اليوم إيران وكأنها تعيش الآن ” غيبة صغرى للسيد الولي الفقيه ” ، تأخر في ظهوره ، تردد في انتخابه ، وصراع مكتوم حول شخصيته و من يكون .
لكن السؤال الأخطر ، يبقى ماذا لو تحولت هذه الغيبة إلى غيبة كبرى و اطول من حيث المدة ؟. أي إلى مرحلة يصبح فيها انتخاب مرشد جديد شبه عملية مستحيلة ، أو غير ضرورية أصلا و لا تحتاجها البلاد اليوم و هي مقدمة على غلق قوس ثورة امتدت قرابة نصف قرن .
طهران اليوم امام واقع جديد يفرض نفسه بقوة و لكن بصمت ، الحرب قلّصت نفوذ الملالي ( آيات الله ) ، ورفعت من وزن المؤسسة العسكرية، وخاصة الحرس الثوري في لحظات الخطر الوجودي ، تميل الدول عادة إلى تسليم مفاتيحها للعسكر و جنرالاته ، لا للامة و للفقهاء و آيات الله .
وهنا بالذات قد تكون المفاجأة الكبرى. قد تجد إيران نفسها، دون إعلان رسمي ، أمام انقلاب عسكري ، يمكن انتقالا تدريجيا للسلطة نحو شخصية عسكرية قوية ، قادرة على الإمساك بالدولة والتفاوض مع العالم في آن واحد بمعنى وليّ عسكري ، بدلاً من وليّ فقيه .
فالدولة التي بُنيت على فكرة الغيبة قد تجد خلاصها في رجل لا يتحدث بلغة العقيدة و الدين و الفقه ، بل بلغة السلاح و القوة والتوازنات و المصالح .
إنها لحظة تاريخية فارقة . لحظة يتصارع فيها الفقه مع السياسة ، والعقيدة مع الدولة ، والعمامة مع البندقية.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية