بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في بلدٍ أنهكته الأزمات السياسية والاقتصادية ، وتآكلت فيه مؤسسات الدولة تحت وطأة الاستبداد ، برزت ماريا كورينا ماتشادو كصوتٍ نسائيٍ حرّ، يقف في وجه سلطة تسعى لخنق آخر أنفاس الديمقراطية.
تمثل هذه المهندسة والسياسية الشجاعة تجسيدا حيا لإرادة المرأة الفنزويلية وإصرارها على أن الحرية ليست ترفا، بل حقًّا لا يُساوَم عليه .
منذ أكثر من عقد، لم تتراجع ماريا كورينا أمام آلة القمع التي يديرها نظام نيكولاس مادورو.
واجهت الاعتقالات والملاحقات والتهديدات ، لكنها واصلت مسيرتها بثبات نادر.
لم تكتفِ بالشعارات ولا بخطابات المعارضة التقليدية ، بل أسست منظمة Súmate، التي تحولت إلى مدرسة للمواطنة والمساءلة، ودرّبت آلاف المتطوعين لمراقبة الانتخابات والدفاع عن نزاهة الصوت الشعبي في مواجهة التزوير والتلاعب.
وفي عام 2023، انتصرت إرادة المعارضة حين اختارها الفنزويليون مرشحة للرئاسة بعد فوزها في الانتخابات التمهيدية. لكن النظام، الذي يخاف من صناديق الاقتراع أكثر من خوفه من العقوبات الدولية ، سارع إلى إقصائها بذريعة مخالفات إدارية ، في قرار جسّد تمامًا انهيار مؤسسات العدالة في البلاد.
ومع ذلك، لم تنكسر ماريا كورينا ولم تلوّح بالاستسلام، بل ردّت بموقف سام حين أعلنت دعمها لمرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوريثيا، مؤكدة أن معركتها ليست معركة شخص بل معركة وطن يسعى إلى استعادة حريته.
دفعت ماريا كورينا ثمن شجاعتها غاليا : تهديدات مستمرة، وملاحقات أمنية، وعزلة قسرية داخل وطنها، بينما اضطرّ بعض من رفاقها إلى المنفى أو انتهى بهم المطاف في السجون.
ورغم كل ذلك، بقي خطابها هادئا، متوازنا، يفيض ثقة وإيمانا بعدالة النضال المدني.
وقد وجد صمودها صدى عالميا، إذ مُنحت جائزة ساخاروف لحرية الفكر عام 2024، ثم جائزة فاكلاف هافل لحقوق الإنسان، قبل أن تُتوَّج بجائزة نوبل للسلام لعام 2025، تقديرا لمسيرتها من أجل انتقالٍ سلمي وعادل من الديكتاتورية إلى الديمقراطية .
اليوم، لم تعد ماريا كورينا مجرد معارضة في وجه سلطة قمعية ، بل رمزا عالميا للنضال المدني، ووجهًا نسائيا يُلهم شعوبا كثيرة لا تزال تبحث عن طريقها نحو الحرية. قد لا تكون وصلت إلى الحكم، لكنها صارت الزعيمة التي لا تحكم … بل تلهم، وصوتا حرّا يذكّر العالم بأن الديمقراطية تبدأ من الشجاعة على قول كلمة ” لا “.


