بقلم : أ . حذامي محجوب .
لا تزال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة قائمة رغم التحديات .
لكن تنفيذ المرحلة الثانية يبدو أكثر تعقيدًا، إذ يفترض أن تؤدي إلى تحرير جميع الرهائن مقابل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وانسحاب الجيش الإسرائيلي بالكامل من القطاع .
غير أن مستقبل هذه الحرب، بل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني برمته، يظل أكثر غموضًا.
هناك طريقان لا ثالث لهما : إما استمرار الحرب بلا نهاية، وإما فتح أفق للسلام، وهو المسار الذي تعمل الدول العربية على تحقيقه لا سيما المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ، تفاديا لاستمرار استراتيجيات الاحتلال القائمة على التهجير والضم و فرض الوقائع بالقوة.
يعلم بنيامين نتنياهو أنه يحظى بدعم أمريكي غير مشروط، خاصة بعد عودة دونالد ترامب إلى السلطة، حيث أعاد الأخير طرح فكرة ترحيل سكان غزة إلى الأردن ومصر، وهي الفكرة التي لطالما تبناها اليمين الإسرائيلي المتطرف.
هذه الرؤية تعكس سياسة إسرائيلية واضحة تسعى إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع مشاريع الضم والتوسع.
في الضفة الغربية، تتواصل عمليات الاستيطان بوتيرة متصاعدة، مدعومة بعنف المستوطنين وقمع الاحتلال لأي شكل من أشكال المقاومة، فيما يتم تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين قسرًا من مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس، وسط حديث عن خطط استيطانية لهذه المناطق بعد تفريغها من سكانها الأصليين.
استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يأتي كجزء من هذه السياسة، حيث تسعى إسرائيل إلى إنهاء دورها الحيوي لمئات الآلاف من الفلسطينيين، مما يجعلها عاجزة عن تقديم خدماتها الأساسية في الأراضي المحتلة والقدس.
هذه الخطوة ليست منفصلة عن الخطط الأوسع نطاقًا، إذ تجري مناقشات بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية حول إمكانية ضم إسرائيل لكل أو جزء من الضفة الغربية، وهو ما سيحول نظام الاحتلال إلى فصل عنصري مؤسسي معلن، حيث يتمتع المستوطنون بكامل الحقوق، بينما يُحرم الفلسطينيون منها تمامًا.
إن الاعتقاد بأن فرض هذه المعادلة بالقوة سيضمن استقرارًا طويل الأمد هو قِصر نظر سياسي، لأن غياب أي أفق للحل السياسي لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.
في ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري أن تتصدر دول المنطقة المشهد في مواجهة هذه السياسات، عبر تحرك دبلوماسي حقيقي يعيد الاعتبار للقانون الدولي كإطار مرجعي للحل.
إن القرار رقم 2735 الصادر عن مجلس الأمن، والذي شكل أساس وقف إطلاق النار في غزة، ينص بوضوح على رفض أي تغيير ديمغرافي أو جغرافي في القطاع، ويدعو إلى خطة إعادة إعمار شاملة بمشاركة سكان غزة، الذين يجب أن يبقوا في أماكنهم دون أي محاولات لتهجيرهم قسرًا.
هذا المسار يتطلب جهدًا إنسانيًا كبيرًا، حيث ينبغي أن تستعيد الأونروا دورها المحوري في تقديم الدعم للفلسطينيين، وأن يتم العمل على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من خلال تشكيل هيئة انتقالية تدير شؤون القطاع والضفة، بانتظار إجراء انتخابات عامة تضمن تمثيلًا سياسيًا حقيقيًا.
غير أن أي حل سياسي لن يكون ممكنًا دون توفير الضمانات الأمنية اللازمة، وهو ما يستدعي وجود قوة إقليمية ودولية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة لضمان الاستقرار ومنع أي محاولات لإعادة إشعال الصراع.
فلا يمكن التعويل على الشرطة الفلسطينية وحدها في ظل الدمار الذي لحق بالقطاع والبنية التحتية الأمنية فيه.
إن دور دول المنطقة يجب ألا يقتصر على الوساطات الظرفية، بل ينبغي أن يتبلور في إطار تحالف استراتيجي يسعى إلى فرض رؤية قائمة على القانون الدولي، ويشكل سدًّا منيعًا أمام السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض الوقائع بالقوة.
من الضروري أن يكون هناك موقف إقليمي موحد يستند إلى قرارات الأمم المتحدة، ويدعم الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة كخطوة أساسية في أي تسوية سياسية، بالتنسيق مع القوى الدولية الفاعلة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكون هناك معادلة جديدة تشمل انخراطًا عربيًا أوسع في صياغة النظام الأمني الإقليمي، بما يفرض على إسرائيل التراجع عن سياسات الضم والتهجير، ويضع حدًا لاستغلال الاحتلال لحالة الانقسام الفلسطيني والتخاذل الدولي.
لا ينبغي أن يكون هناك أي وهم حول نوايا الحكومة الإسرائيلية، فبدعم أمريكي غير مشروط، سيفعل بنيامين نتنياهو كل ما بوسعه لترسيخ مشروعه القائم على السيطرة والتهجير والضم، وهو ما يعني استمرار الحرب إلى ما لا نهاية.
البديل الوحيد أمام المنطقة هو تبني نهج سياسي ودبلوماسي أكثر حزمًا، يواجه هذه السياسات ويفرض قواعد جديدة للعبة، لأن ما يجري في فلسطين ليس مجرد صراع محلي، بل معركة على مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط بأسره.


