بقلم: أحمد نسيم برقاوي
حين كان الجنوب اللبناني رازحاً تحت الاحتلال الإسرائيلي، مدعوماً بقوات أنطوان لحد، برز حزب الله وحسن نصرالله كرمز للمقاومة، واكتسبا سمعةً ممزوجة بحب التضحية والفداء من أجل تحرير الأرض. سُجّل للحزب تضحيات جسيمة، قدّم فيها خيرة شباب الجنوب، ما رسّخ مكانته في الوجدان العربي عموماً، وفي الوجدان الفلسطيني على وجه الخصوص.
مع انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني عام 2000، بفضل صمود المقاومة، ازداد حضور حسن نصرالله وحزب الله كرمزين للنضال، متجاوزين حتى الانقسامات الطائفية التي يتسم بها لبنان. فبرغم إدراك الجميع لطبيعة الحزب الطائفية، إلا أن ذلك لم يكن مستنكراً في بلد اعتاد التوزيع الطائفي في حياته السياسية.
غير أن الصراع مع محتل خارجي لطالما كان قادراً على تعمية العقول عن رؤية السلبيات الكامنة خلف رايات المقاومة. فالانتماء كان للمفهوم ذاته، لا للأشخاص أو الانتماءات، تماماً كما كان السجين السياسي في زمن الأسد يحظى بمكانة مجتمعية عالية لمجرد أنه ضحية الاستبداد، بغض النظر عن مواقفه أو شخصيته. هكذا ارتبط اسم حسن نصرالله بمفهوم المقاومة، وفاز بحب الفلسطينيين والسوريين، متجاوزين علاقاته بولي الفقيه أو بالنظام السوري، لأن كراهيتهم لإسرائيل كانت تمنعهم من كراهية “رمز المقاومة”.
لكن تلك الصورة انهارت مع اندلاع الثورة السورية. دخول حزب الله إلى ساحة الصراع إلى جانب النظام السوري شكّل نقطة تحوّل قاتلة. لم يعد الحزب مقاومًا في نظر الكثيرين، بل صار شريكاً في القمع والقتل. ومع سقوط مدينة القصير بيد قوات النظام مدعومة بعناصر حزب الله، ماتت صورة الحزب المقاوم، وسقط حسن نصرالله من الوجدان الشعبي، ليتحوّل من بطل في نظر السوريين إلى عدو أشد خطراً من إسرائيل ذاتها.
رمزياً، مات حسن نصرالله عام 2011. وُلد عام 1992 يوم توليه الأمانة العامة لحزب الله كمقاوم في نظر شعوب المنطقة، ومات يوم وجّه سلاحه إلى صدور السوريين. بين الميلاد والموت، عاش في ذاكرة شاب دمشقي علّق صورته على عنقه احتفالاً بالمقاومة، وفي قلب فتاة سورية ألغت موعدها مع حبيبها لتستمع إلى خطاب “السيد”. لكنه سقط حين أطلق الرصاص على الشاب ذاته، وأصاب حبيب الفتاة برصاص طائفي خبيث.
انتهت القصة. مات حسن نصرالله كرمز، دون مأتم أو وداع. لم يبق له أثر في ذاكرة الشعوب التي كانت تحتفي به يوماً. تحوّل من مقاوم يملأ القلوب بالأمل إلى قاتل مجرّد من التعاطف، وسقط من حسابات الوجدان الوطني والإنساني.


