تونس 33°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

حكومة نواف سلام في لبنان : بين التوازن والإصلاحات المنتظرة .

-بيروت – عرب21:


أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ، عن تشكيل حكومته الجديدة التي تتألف من 24 وزيرًا، بينهم خمس نساء، مع مراعاة التوازن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين.
وُضعت الحكومة تحت شعار “الإصلاح” و”الإنقاذ”، حيث أكد سلام، خلال تقديم تشكيلته للبنانيين، التزامه بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، والمضي قدمًا في إعادة الإعمار، واستعادة الاستقرار على الحدود اللبنانية بعد الحرب المدمرة بين “حزب الله” وإسرائيل.
واعتبر أن نجاح الحكومة يكمن في “إعادة الثقة بين المواطنين والدولة، وبين لبنان وجيرانه العرب، وبين لبنان والمجتمع الدولي”.

دعم دولي بعد سنوات من الجمود :
جاء تشكيل الحكومة بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من حكم تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، مما جعلها تحظى بدعم المجتمع الدولي، خاصة أنها تضم شخصيات إصلاحية بارزة.
وقد أسند سلام مناصب رئيسية إلى شخصيات معروفة بخبرتها، مثل طارق متري وغازي سلامة، اللذين توليا منصبي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الثقافة على التوالي.
أما وزارة الاقتصاد، وهي حقيبة أساسية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ ست سنوات، فقد أُسندت إلى عامر بيسات، الخبير الاقتصادي والمدير السابق للأسواق الدول الناشئة في “بلاك روك”.
وسيتولى بيسات مهمة وضع خطة إنعاش اقتصادي ضرورية لتحرير قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وهو قرض كان مجمدا لعدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، بالإضافة إلى الإشراف على إعادة هيكلة القطاع المالي.
-توازن دقيق بين الأحزاب والطوائف :
قرر نواف سلام، بدعم من الرئيس جوزيف عون، اتباع نهج التشاور مع الأحزاب السياسية بدلاً من فرض حكومة تكنوقراط.
لكنه اشترط على الأحزاب ترشيح شخصيات غير حزبية، يتم اختيارها وفقًا لمعايير الكفاءة، وألا تكون لديها نية الترشح للانتخابات النيابية لعام 2026، وهو مطلب دعمته كل من الولايات المتحدة والسعودية.
أحد أكبر التحديات التي واجهها رئيس الوزراء المكلف كان التفاوض مع الثنائي الشيعي “أمل – حزب الله”، الذي رغم تراجعه إثر الحرب الأخيرة مع إسرائيل، ظل مصرًا على الاحتفاظ بقدر من النفوذ داخل الحكومة.
وبعد أن فقد الثنائي هيمنته شبه المطلقة على المشهد السياسي، فإنه لا يزال متمسكًا بأربع حقائب وزارية.
كان مطلب رئيس مجلس النواب وزعيم حركة “أمل”، نبيه بري، الاحتفاظ بوزارة المالية، التي تسيطر عليها الحركة منذ عام 2014. وتعتبر هذه الوزارة أساسية، لأنها تمتلك حق التوقيع على المراسيم ذات البعد المالي، مما يمنحها نوعًا من حق الفيتو غير الرسمي على القرارات الاستراتيجية.
واختار بري أحد المقربين منه، ياسين جابر، وهو اقتصادي سبق أن شغل منصب وزير مرتين ونائبا حتى عام 2022، لتولي الحقيبة المالية.
وسيكون مكلفًا بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وقد وجه انتقادات سابقة للطبقة السياسية بسبب عدم تنفيذ الإصلاحات، كما أبدى تحفظات تجاه “ حزب الله ”.

ضغوط داخلية وخارجية في تشكيل الحكومة :
أثار قبول سلام ببعض التوازنات موجة اعتراضات داخل المعارضة، حيث استخدمت بعض الأحزاب هذه التفاهمات كذريعة لتعزيز مكاسبها داخل الحكومة، مثل “القوات اللبنانية”، التي تمكنت من الحصول على خمس حقائب وزارية، من بينها وزارة الخارجية لجو راجي و وزارة الطاقة لجو صدي. وتُعد مشاركة “القوات اللبنانية” أمرًا حاسمًا نظرًا لأنها الحزب المسيحي صاحب أكبر كتلة برلمانية.
ولضمان استقرار حكومته، حرص سلام على تقليص نفوذ “ أمل” و”حزب الله” داخل التشكيلة الوزارية، فلم يمنحهما الثلث المعطل، كما احتفظ بحق تسمية الوزير الخامس المخصص للطائفة الشيعية، وهو ما جاء نتيجة ضغوط أمريكية على نبيه بري.

موقف أمريكي متشدد وإشكالية “حزب الله” :
جاءت هذه التطورات وسط تصعيد في الموقف الأمريكي تجاه “حزب الله”، حيث أعلنت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، من بيروت، أن إدارة ترامب الجديدة ستتبنى موقفًا صارمًا تجاه الحزب ، قائلة: “لقد وضعنا خطوطًا حمراء واضحة : لن يتمكن حزب الله بعد الآن من إرهاب الشعب اللبناني، بما في ذلك من خلال المشاركة في الحكومة ”. هذه التصريحات أثارت ردود فعل غاضبة داخل لبنان.
من جهته، نأى الرئيس عون بنفسه عن هذه التصريحات، مشددًا على التزامه خلال ولايته بتعزيز احتكار الدولة للسلاح، في إشارة إلى ترسانة “حزب الله”، واحترام الاتفاقات الدولية، لا سيما اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، الذي ينص على انسحاب الحزب إلى شمال نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. كما تم تمديد الموعد النهائي لانسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة الحدودية إلى 18 فبراير.

الإصلاحات أمام تحديات كبرى:
جاء التوافق على تعيين المستقل فادي مكي في آخر حقيبة وزارية شيعية ليحسم تشكيل الحكومة، وهو ما اعتُبر أول نجاح لنواف سلام، لكنه لا يعني أن طريق الإصلاحات سيكون سهلاً. فبينما يشترط المجتمع الدولي تنفيذ إصلاحات هيكلية لتقديم المساعدات المالية اللازمة لإعادة إعمار لبنان، يواجه رئيس الوزراء عقبات سياسية كبيرة.
يرى كريم بيطار، أستاذ العلوم السياسية في باريس، أن “العرقلة قد تأتي من مخاوف الطائفة الشيعية من تقليص نفوذها، ومن تحالف قوى سياسية واقتصادية تعارض الإصلاحات وتعتبر نفسها فوق المساءلة”. كما أن المعارضة للإصلاحات داخل البرلمان لا تقتصر على الخطوط الحزبية التقليدية، بل تتداخل معها المصالح الاقتصادية والمالية.
لكن في المقابل، يدرك “حزب الله” و حركة ”أمل” أن إعادة إعمار لبنان لا يمكن أن تتم دون دعم المجتمع الدولي، وهو ما قد يدفعهما إلى التعاون لتجنب عزلهما سياسيًا واقتصاديًا.
أمام الحكومة اللبنانية مهلة ثلاثين يومًا لصياغة بيانها الوزاري ونيل ثقة البرلمان، وهو الاختبار الأول لمدى قدرتها على تنفيذ وعودها الإصلاحية في بلد أنهكته الأزمات المتراكمة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية